Btc roulette

“نعم”.. لــــــــدستور جديد… و جمهورية جديدة !!…بقلم الناشط السياسي محمد البراهمي

تونس اليوم أمام مرحلة مفصلية وفرصة أخيرة لا مجال لتضييعها؛ ينبغي العمل الآن على إنجاح الإستفتاء على دستور الجمهورية الجديدة المزمع تنظيمه في 25 جويلية 2022 ، إنها بالفعل مرحلة مفصلية ستحدد بقاء الدولة أو انهيارها ومن ثم تفككها إلى دويلات تحكمها الأجندات والصراعات السياسية و التدخلات الخارجية.. إنّ الإستفتاء على الدستور هو بمثابة المحطة المفصلية في تاريخ البلاد والتي سيعبّر من خلالها الشعب التونسى عن موقفه بكل حرية ويكون له الفصل في رسم ملامح تونس المستقبل.. وليُبرهن الشّعب التونسي العظيم على أنّه صاحب السيادة ومصدر السلطات و يدرك خياراته جيدا ويقرر مصيره بنفسه، وأنّ تونس نهضت ولن يستطيع أحد في الداخل أو الخارج أن يعوقها أو يقوض مبادئها أو أن يعيدنا إلى الوراء..

إنّ أحد أسباب الأزمة السياسية التونسية تكمن في دستورها الذي وُلد بعيوب مرحلة “ما بعد الثورة” ، التي اعتبرت أن مواجهة الاستبداد تكون بتقليص صلاحيات رئيس الجمهورية وتحصين البرلمان، حتى وضعت صلاحيات الرئيس في منازعة مع رئيس الحكومة وأصابت النظام السياسي بالشلل.. سنحت الفرصة بعد التغيير السياسي في تونس بعد الثورة ، وفي ضوء الدستور الحالي ان يكون النظام السياسي التونسي نظاماً برلمانياً معدّل ، لم يكن متماهياً مع أسس وخصائص النظام البرلماني أو الرئاسي الذي يقتضي التعاون والتوازن ما بين السلطتين التشريعية و التنفيذية.. في النظام السياسي القائم الذي أتى به دستور دستور 2014 تم تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية ، ومنح مجلس النواب أفضلية دستورية وسياسية أدت الى عرقلة اداء الحكومة، والتداخل ما بين السلطة التنفيذية (رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة) ، وهذا من شأنه تقوية وتعزيز مجلس النواب على حساب السلطة التنفيذية، واضعاف مركز رئيس الجمهورية ، الامر الذي يتوجب العمل على تعديل دستوري يضمن اقامة التوازن والتعاون ما بين السلطتين التشريعية و التنفيذية..و بالتالي وجوب تغيير الدستور يجب أن يستحضر فشلَ تطبيق النظام البرلماني المعدل والذهاب نحو نظام رئاسي تكون الحكومة مسؤولة أمامه وأمام مجلس النوّاب بعيداً عن وصاية زعماء أحزاب السلطة… إنّ الأزمات المتتالية والتحديات تؤكد حجم وحقيقة الخلل البنيوي في النظام القائم وطريقة الحكم، وأن المسؤولية التاريخية والوطنية تقتضي العمل الجاد على إنهاء دوامة الأزمات التي تعصف بالبلاد، و يستوجب ذلك الإقرار بأنّ منظومة الحكم التي تأسست بعد عام 2014 تعرضت إلى تصدع كبير و فشلت في إدارة الشأن العام ، ولا يُمكنها أن تخدم المواطن الذي بات محروماً من أهم حقوقه المشروعة، لذا فنحن بحاجة ماسة إلى عقد سياسي جديد يؤسس لدولة قادرة ومقتدرة وذات سيادة كاملة، و من غير الممكن أن يتحمل المواطن التونسي ضريبة الصراعات والإخفاقات السياسية والفساد إلى حد التلاعب بقوته اليومي.. أرى أنّ أولى خطوات الحل تبدأ بتغيير شكل نظام الحكم، فالجميع يعترف بأن النظام البرلماني المعدّل لا يمكنه إنتاج طبقة سياسية تفكر خارج إطار العُرف السياسي القائم على أساس المحاصصة والتطبيق المشوَّه لنموذج الديمقراطية التوافقية، ولا يمكن إنهاء هذه الفجوة السياسية إلا بتغيير شكل نظام الحكم من البرلماني المعدّل إلى الرئاسي..

لم يكن مفاجئا فشل النظام السياسي التونسي في احتواء التناقضات بين الفرقاء السياسيين، ولا عجزه عن ردم الفجوة بين المواطن والحكومات المتعاقبة و الطبقة السياسية ، فالرهان كان دائما على عامل الزمن لكشف عورة هذا النظام السياسي الذي أسسته صفقات وتوافقات بين زعماء سياسيين تهيمن على مخيلتهم عقلية الغنيمة والبحث عن ضمانات لبقاء هيمنهم وسطوتهم على العملية السياسية، وليس التفكير بتأسيس دولة تكون ضامنة لحقوق المواطن التونسي.. النظام السياسي فاسد والجميع يعرف ذلك بمن فيهم الفاسدون أنفسهم، فساد النظام عميق وقديم ويحمي نفسه والمشاركين فيه بقوة، و الدعوات الحالية لتعديل النظام السياسي تؤكد فشل من قام بوضع دستور 2014، ، و تؤكد أنّ نظام الحكم البرلماني المعدل الذي تبنته تونس في دستور 2014، أحدث شتاتاً برلمانياً عمّق الأزمة في البلاد و خلق تداخل معقد في الصلاحيات وتشتيتها.. ، و خلّف عجز في إدارة دواليب الدولة، خلال العشرية الأخيرة..و بالتالي تغيير الدستور ضرورة يفرضها الواقع السياسي ، بما يضمن نظاماً جمهورياً ديمقراطيّا اجتماعيّا يُؤسّس للاستقرار السياسي ويلبّي طموحات الشعب في الكرامة التي أساسها الحرية والعدالة الإجتماعية.. في تجارب الدول التي تسير في ركب الديمقراطية يكون الدستور هو الضامن لحلّ الإشكاليات السياسية التي تواجه النظام السياسي، إلاّ أنه في تجربة تونس ، على العكس من ذلك، بات الدستور الذي كُتب في عام 2014 جزءاً من المشكلة وليس الحل! وأصبح حجر عثرة أمام أيّ محاولة لتجاوز الصفقات والتوافقات في تشكيل السلطات التنفيذية.. وبدلاً من أن يكون الدستور في تونس هو الضامن لتفكيك الانسدادات السياسية، أصبح جزءاً لا يتجزأ من تركيبة هذه الانسدادات و بالتأكيد لم يكن دستوراً نموذجياً لبلد تراكمت فيه الأخطاء السياسية وضاعت فيه الثروات ويعاني من أزمة إقتصادية إجتماعية و سياسية بالأساس طيلة العشريّة السّوداء ، لذلك يجب الاعتراف بأن النظام السياسي الهجين الذي أتى به دستور 2014 الذي وُضع على أساس الترضيات فأنتج فصولا مفخخة معرقلة لتنفيذ أيّ مشروع وطني هو من كبرى خطايا الحياة السياسية في تونس بعد 2011.. إذ لم يعد مبرراً التمسك بدستور يعترف الجميع حتّى من ساهموا بكتابه بعدم صلاحيته للبقاء ، وبات عائقاً أمام أي محاولة لإصلاح النظام السياسي وتحقيق الإستقرار المنشود .. و الغاية من جعله دستوراً جامداً معناها الإصرار على بقاء دستور مفخخ ساهم في تفكيك الدولة و مؤسساتها، في الوقت الذي يُعد هذا الأمر المبرر الرئيسي في الدفع نحو تغييره، لأنّها تعبير واضح وصريح عن مدى قصر نظر القوى السياسية والأطراف التي ساهمت في كتابته ورغبتها في أن تكون الفترة الانتقالية هي الحاكمة والمتحكّمة في مستقبل الحياة السياسية ، وهذا خلاف منطق التاريخ الذي تخبرنا تجاربه بأنَّ معيار تطوّر تجارب الأمم ورقيّها مقترن بظروف المستقبل وليس وفق شروط الماضي، و الدستور قابل للتطوير بتطور الزمان.. و بالتالي وجوب تغيير الدستور يجب أن يستحضر فشلَ تطبيق النظام السياسي الهجين والذهاب نحو نظام سياسي جديد عوضا عن النظام السياسي القائم، وذلك بهدف إقرار نظام واضح المعالم خلفا لهذا النظام الهجين والغريب الذي أقره دستور سنة 2014.. إضافة الى ما احتواه دستور 2014 من خلل في الشكل والمحتوى، تكمن المشكلة الكبرى للدستور والنظام السياسي في تونس في ضعف الوعي الديمقراطي للطبقة الحاكمة وانشغال كل منها بتقوية حصتها في السلطة وامتيازاتها فأساءت تطبيق الدستور وفاقمت من ضرر ثغراته ومواقع الخلل فيه، وهكذا أفشلت التوافقية ومحاصصتها مهمة وضع الدولة على السكة وتقوية أسسها الديمقراطية التي تحمي المواطنين وتؤمّن في نفس الوقت، حقّهم في الحياة الكريمة، وتسببت في تراجع الفكر الديمقراطي في المجتمع..

إنّ النظام المعتمد حاليا أدى الى تشتيت السلطة التنفيذية وعرقلة أداء أجهزة الدولة نظرا لتشظيها بين طرفين تغلب على علاقتهما التوتر و لذلك من البديهي المطالبة باعتماد نظام يقوم على تجميع السلطة التنفيذية و هو النظام الرئاسي ، و تتمثل ملامح هذا النظام في وجود مؤسسة رئاسة الجمهورية تنتخب انتخابا مباشرا من قبل الشعب و يتولى رئيس الجمهورية تعيين رئيس للوزراء ليعمل تحت إشرافه و يمارس رئيس الوزراء كل الاختصاصات بالتشاور والتنسيق مع رئيس الجمهورية و يمكن لرئيس الجمهورية إقالة رئيس الوزراء والإشراف على المجالس الوزارية، و يسمح هذا النموذج بتوحيد جهة القيادة في السلطة التنفيذية إذ يقع ضبط السياسات من قبل جهة واحدة تعمل في انسجام متواصل و يصبح التنسيق ممكنا و دائما، و القول بوجود نظام رئاسي لا يعني بتاتا الاستغناء على البرلمان بل يحافظ البرلمان على دوره و على قيمته بوجود ديناميكيات تفاعل بين رئيس الجمهورية و البرلمان و تبرز هذه التفاعلات في مسار سن القوانين حيث تفترض كل القوانين التي يضعها رئيس الجمهورية مصادقة مجلس نواب الشعب عليها، و كلها آليات تدفع الى وجود تناسق بين أجهزة الدولة حتى لا يقع الفصل بين السلطات فصلا جامدا وإنما المحافظة على مقومات العمل المشترك بين الطرفين في إطار فصل مرن بين السلطة التشريعية و السلطة التنفيذية.. الإيجابيات الكثيرة لمسودة الدستور الجديد تكمن برأيي في العدالة والتوازن والمساواة ، إنها البداية الحقيقية الصحيحة على طريق الديمقراطية الحقيقية و الانتقال من نظام المحاصصة و التوافقات المغشوشة إلى نظام ديمقراطي حقيقي الآخذ بمفاهيم العصر، فهذه أول مرة نتحدث فيها على ثقافة ديمقراطية، أول مرة نعرف ما معنى “دستور ديمقراطي” يؤسس لنظام ديمقراطي يضمن الحقوق و الحريات و التوازن بين السلط و ينظم حياة التونسيين ، لأول مرة نتكلم بهذه المفاهيم وهذه التعابير..

إنّ الهدف من نجاح الإستفتاء الشعبي المزمع تنظيمه في 25 جويلية 2022، بمثابة الإعلان للعالم بأن الغالبية العظمى من الشعب التونسي يرفضون النظام السياسي الذي أتى به دستور 2014 ويطالبون بحقهم في تقرير المصير وحقهم في إختيار دستورهم ونوع نظامهم السياسي القادم والجديد ، و أنّ الشعب مصمم على حقه في تقرير مصيره وأن يصبح هو مصدرا للسلطات جميعا.. تونس اليوم بحاجة الى نقلة سياسيّة حقيقيّة، والبدء بمرحلة جديدة يُكتب فيها دستور جديد يضمن التوازن بين السلطات والحقوق والحريات و يكرّس أسس الممارسة الديمقراطية الحقيقية، و يأسس لدولة القانون بإرادة شعبيّة خالصة يمهّد لقيام نظام سياسيّ جديد يختاره المواطنون بإرادة حرّة، نظام سياسيّ يحمي الناس ويسهر على خدمتهم ويلبّي تطلّعاتهم، ويخلق الأجواء السياسيّة السليمة التي حُرم منها الشعب التونسي طيلة السنوات الماضية.. إنّ نجاح الإستفتاء على الدستور الجديد يمثل أكبر ضمانة لمستقبل تونس ، كما يعد مؤشرا على رغبة الشعب التونسي الشديدة بالانطلاق نحو مرحلة جديدة من الأمن والاستقرار والحرية ورفض الفوضى و الفساد والعنف والإرهاب.. سأصوت بنعم على دستور الجمهورية الجديدة وماسيأتي مهما كان سيكون أفضل من السابق..

“قولوا نعم حتى لا يصيب الدولة هرم وحتى تتحقق اهداف الثورة، فلا بؤس ولا ارهاب ولا تجويع ولا ظلم ولا ألم”

عاشت تونس حرّة مستقلّة
عاش الشعب التونسي العظيم

قد يعجبك ايضا

التعليقات متوقفه