نعوم  تشومسكي واللسانيات الديكارتية (3/1)*…ترجمة سعيد بوخليط

هل لازلنا في حاجة للتذكير بهوية نعوم تشومسكي، باعتباره واحدا من أكبر رموز اللسانيات وفلسفة اللغة المعاصرين. بالتالي لا أحد يجهل بأن هذه التخصصات تدين بفضل كبير إلى أبحاث اللساني الشهير المتواجد في الجهة الأخرى من المحيط الأطلسي(1). إنه شخصية مؤثرة وذات فرادة كبيرة. لم يؤثر فقط فكره بعمق  في مسار مختلف مجالات البحث اللساني.بل طورها أيضا في نطاق كونه استدعى لدى اللساني موضوعات غير مطروقة سابقا، وجعله يكتشف حقولا أخرى للبحث العلمي ظلت حتى فترته مجهولة بشكل واسع.باختصار، توسيع آفاق أبحاثه، والتي اجتهد بخصوصها، ولازال مستمرا زخم عطائه الملهم.

 

–  تميز مسار تشومسكي بكونه تموقع عند مفترق طرق المذاهب الكبرى للسانيات المعاصرة،  تكفي الإشارة على سبيل التمثيل لا الحصر، المذاهب الثلاثة :التجريبية،  العقلانية،  البنيوية. لذلك،  يعكس النموذج اللساني لتشومسكي مختلف مزايا تركيب كبير.حيث هنا يكمن على الأرجح أسرار نجاحه الباهر،  وفق مستويات في غاية التباين :التفكير الفلسفي الخالص بخصوص التطبيقات التعليمية على مستوى تدريس اللغات الحية.

مع ذلك،  نترك المجال لآخرين  قصد السهر على الاهتمام بعرض متماسك يتعلق بمجموع النظام اللساني لتشومسكي.لا يتأتى لنا هذا المبتغى ضمن سياق مناسبتنا هاته، نظرا للحدود التي رسمتها هذه المقالة لنفسها.

بالتالي،  يبدو قصد هذه المقالة،  أكثر تواضعا :يتعلق الأمر أولا بجذب الانتباه صوب جانب من فكر تشومسكي،  نعتقده لم يحظى غاية الآن  بالاهتمام اللازم،  ليس فقط لدى الجمهور الواسع،  لكن كذلك– مما يثير الحيرة أكثر- بالنسبة لعدد مهم من ”اللسانيين المحترفين”.رغم ذلك،  فالقول بأن هذا الجانب، الذي نقترح إلقاء الضوء عليه، قد تم المرور عليه سابقا بطريقة”عابرة”يمثل ربما سخاء على مستوى التقييم، مادمنا تجنبنا الإشارة أساسا في هذا الإطار إلى سمة تجاهل مكون، يجسد حسب اعتقادي بعدا محوريا، بل وجوهريا بخصوص تأملات تشومسكي، وأقل ما يمكننا تأكيده بصدده أنه لم يجد دائما ”الإضاءة”التي يستحقها.

بالنسبة لأغلب الخبراء، يعتبر تشومسكي قبل كل شيء أو فقط، صاحب كتاب :”النحو العام التوليدي”.لقد أعطى تشومسكي، لهذا النموذج التأويلي المنصب على الوقائع اللسانية، خلال فاصل زماني يقدر بثمان سنوات، صيغتين، مقاربتين أو صيغتين مختلفين، بقدر تكاملهما.

إذن، من جهة، صار حقا مكتسبا، ارتباط اسم تشومسكي لدى الكثيرين بـ”النحو التوليدي” أساسا. لكن، من ناحية أخرى، وجب الإقرار، حسب تصوري أن هذا”النحو العام التوليدي”، لن يفهم تماما إلا في إطار السياق العام للمشروع، بمعنى ضرورة الإحالة على اللسانية الديكارتية، حيث يعتبر تشومسكي المدافع الرسمي عن خطابها خلال القرن العشرين. أعتقد بضرورة استحضار هذا التوضيح التمهيدي، أخذا بعين الاعتبار الحالة الراهنة للتفسيرات.

يكمن هدفنا الثاني، في تسليط الضوء على بعض المراحل، والشخصيات وكذا الأطروحات، المميزة للسانيات الديكارتية.مفهوم، تم تناوله تبعا لامتدادات التصور النوعي الذي ارتآه تشومسكي(2).سنحتفظ لمناسبة أخرى، مسألة البحث في إشكالية تحديد المكانة الدقيقة التي يشغلها الإرث الديكارتي في نظرية اللغة عند تشومسكي.

*ثانيا: اللسانيات الديكارتية

تعتبر اللسانيات، بالنسبة لأغلب المختصين، ابنة القرن التاسع عشر(3). تشومسكي، أحد الأوائل، خلال زمننا المعاصر، الذي وجه اهتمامه إلى”ماقبل تاريخ اللسانيات”أو صوب”تاريخ اللسانيات، قبل أن تكون هناك لسانيات”، على حد تعبير غي أرنوا.

لقد حدد تشومسكي نقطة بداية تاريخية، بخصوص هذا التأمل”ماقبل العلمي”حول اللغة، والذي سبق فترة القرن التاسع عشر أي تشكل اللسانيات كعلم للغة :إنه ديكارت. طبعا، بين طيات فكر تشومسكي، سيكون خطأ رفض الحق في الاستشهاد بالمجهود التأملي ما قبل الديكارتي، بقدر ما سيكون أيضا من غير المعقول إقامة تطابق مطلق بين ”اللسانيات الديكارتية” ثم”لسانيات ديكارت”.

يبدو مفهوم تشومسكي”اللسانيات الديكارتية”قابلا كثيرا للتمدد، بحيث يسمح ضمن نطاق ما، تصور لسانيات ”ديكارتية”قبل ديكارت.مع ذلك، لا يبدو بأن الكاتب نجح دائما في بلورة تحديد دقيق لما يقصده بـ”اللسانيات الديكارتية”.إذن، بما يتعلق الأمر؟

إجمالا، إنها رقعة ملائمة في غاية الليونة، انطوت تحتها ثانية فردانيات متباينة جدا،  مثلا، نحاة بور رويال و يوهان غوته، والشاعر الرومانسي صامويل كولريدج واللساني فون هومبولت، والكاتب فلهلم شليغل، ثم الناقد الفني زليج هاريس.كوكبة عقول كبيرة سيكون من غير الإنصاف اختزال أصحابها فقط إلى قيمتهم اللسانية.

تلزم، بالتالي الإشارة بتسمية”اللسانيات الديكارتية”، ليس فقط لسانيات ديكارت، بل تيار  لساني بأكمله نحا منحى عقلانيا، ثم التساؤل، ضمن هذه الشروط، عن النقط التاريخية المشتركة، أو بدلا عنها، تلك المعايير المنهجية التي تجيز، بناء على وجهة نظر محض لسانية، تآلفا من هذا القبيل بين شخصيات عدة تنتمي إلى  حقب مختلفة.

*ثالثا: ديكارت

قبل الجواب – قدر ما نستطيع- على هذا السؤال، يعتبر ربما مفيدا إلى حد ما تدقيق أصول اللسانيات الديكارتية.بالتأكيد، تمثل هذه الأصول، ملاحظات شخصية لديكارت، اتسمت بكونها متناثرة وناقصة، جعلت البعض يبادر إلى تعميد “فلسفة اللغة ”عند ديكارت بشيء من التفخيم.

بحسب ديكارت، فالذي يسمح لنا كي نميز بطريقة ناجعة، الإنسان عن الأتمتة، ومن ثمة، الحيوان عبر ما يمكن لسلوك هذا الأخير أن يكشف عنه غريزيا وكذا السلوك المكرر نمطيا، يعود في المقام الأول إلى استعمال الإنسان للكلام  بكيفية ذكية:”لأنه بوسعنا فعلا تصور بأن آلة جاهزة تماما حينما تتلفظ أقوالا بل وتتلفظ بعضا منها بخصوص أفعال جسدية ستحدث تغيرات معينة على مستوى أعضائها :مثلما، عندما نلمسها في بعض المواضع، فإنها تتساءل عن القصد من ذلك؛بينما حين فعل نفس الأمر مع أخرى، تصرخ جراء الإساءة إليها، وأشياء من هذا القبيل؛لكن ترتب ذلك يتحقق بكيفيات متباينة، قصد تفاعلها مع دلالة جل ما يقال بحضورها، هذا ما بوسع الأفراد الأكثر غباوة القيام بذلك”(ديكارت، خطاب المنهج، الفصل الخامس، 1637) ثم يضيف الفيلسوف الكبير :”عوض أن يكون العقل أداة عامة، قد يفيد في مختلف أنواع اللقاءات، تحتاج في المقابل أعضاء (الآلات) لترتيبات معينة فيما يتعلق بكل حركة جزئية”.

نعتبر هذين المقطعين تمثيليين بما يكفي، قصد تبيان الفطنة المدهشة التي أبان عليها أب الفلسفة الحديثة بخصوص تحليل السلوك اللغوي للإنسان الناطق.

*رابعا: إبداعية اللغة

ما يميز في نهاية المطاف، لدى ديكارت الإنسان عن الحيوان، ليس تماما مَلَكة اللغة باعتبارها قولا مأثورا قديما قِدم الإنسانية ! بل ما سميناه حقا التوظيف الذكي للكلام،  بمعنى، ”نشاط الفكر المستمر الذي يتوخى جعل الصوت المنطوق قادرا على تجسيد الفكر”. فكرة حداثة كبرى، قامت تقريبا على النقيض من مقاربة فرديناند دي سوسور للغة باعتبارها قانونا أو أداة تواصل، بحيث شددت على الدور المبدع للغة بخصوص إعداد الفكر نفسه.لا يمكننا التعبير عن هذا التصور أفضل من تشومسكي، حين قوله :”لقد رأينا كيف تبدو اللغة عند مستوى توظيفها العادي، تبعا للمفهوم الديكارتي، كما طوره تحديدا ديكارت وكورديموي(…)، متحرِّرة من كل مثير منضبط: وظيفتها الوحيدة التواصلية غير كافية قصد تعريفها، لأنها أولا وسيلة تمكن من التعبير الحر عن الفكر، وقادرة على تقديم جواب يناسب وضعيات جديدة”.

هكذا تتجلى نوعية اللغة الإنسانية، سواء في علاقتها مع لغة الحيوانات- أو بعضها،  كما الحال بالنسبة لطيور العقعق والببغاوات- وكذا قياسا لمختلف الأنظمة التواصلية الأخرى :الإبداعية، بمعنى القدرة على صياغة تعابير جديدة تبلور أفكارا أخرى ضمن سياقات عدة.سنعود فيما بعد  إلى هذا المفهوم الجوهري لإبداعية اللغة.

*خامسا:  النحو عند بور رويال

أ-الصوت والمعنى :

الكتاب الذي أصدره سنة 1660، كلود لانسلوت وكذا أنطوان أرنولد، تحت عنوان :”النحو العام والقياسي”، سيميز المرحلة الثانية المهمة على مستوى تاريخ اللسانيات الديكارتية.

استلهم نحاة بور رويال الخطاطة الثنائية الديكارتية عن الجسد والروح، وانطلاقا من ذلك ركزوا على ثنائية الصوت والمعنى التي تميز أيّ تجلّ لساني.تعتبر هذه الثنائية القطبية السمة المميزة لكل علامة لسانية.الصوت بمثابة الوجه الخارجي، البارز من العلامة، تجسيدها أو ترميزها المادي.حاليا، يقوم تحليل هذا الجانب على تخصصات مثل علم الأصوات والفونولوجيا.

بينما يشكل المعنى الجانب الداخلي، الذهني، بمعنى ”دالا”أو سيمانطيقية العلامة، حيث الصوت مجرد قوام مادي.العلامة اللسانية حاملة للمعنى.يمثل الأخير”الطريقة التي يستخدم وفقها الأفراد العلامة قصد التعبير عن أفكارهم”.من المهم أن نلاحظ عبر هذا التعريف كيف تبدو اللغة أولا بمثابة أداة تساعد على بلورة الفكر قبل أن تصبح وسيطا للتواصل.فكرة، تمثَّلها ديكارت، وإن وقفت لديه عند حالتها الجنينية.

*خامسا: اللغة والمنطق

إذا لزم إبراز مبدأ ثان لنحو بور رويال، فيمكن لهذا الأخير أن تتم صياغته باختصار كالآتي : لاتوجد هوية مطلقة بين البعد الصوتي والدلالي للحقيقة اللسانية.يعني هذا بحسب مفاهيم تشومسكي، أن البنيات السطحية والعميقة غير متطابقتين حتما بطريقة دقيقة.لا تكمن دلالة الوقائع اللسانية عند مستوى بنية التعبير وكذا التحليل النحوي لعناصره، لكن فعلا داخل فكر الذات المتكلِّمة.بوضوح، يعني هذا أن فحص العناصر الظاهرة للخطاب (مونيم، مورفيم، تغيرات صرفية، إلخ) يبقى عاجزا عن إدراك الروابط الدلالية المنطوية عليها.

بصفة عامة، يشكل النواة الأصلية للغة، نظام قضايا أولية من نمط الذات-المحمول.هذه الصيغة للحكم المنطقي، التي اختُبرت، حسب بوررويال عالميا في كل اللغات، تسمح لفكر الذات المتكلمة أن يتجسد ويتشكل عبر اللغة.

في إطار أولية اعتبارات دوغماطيقية من هذا القبيل، تأسس ما لا يمكن لأي واحد منهم تسميته ب :”العقلانية الديكارتية لبور رويال” (4).لذلك، بوسع  جمل لغة أن تقود ثانية نحو قضايا بسيطة في صيغة :الذات/الفعل، الدعامة/المحمول، تدبِّر بعض عمليات التحول(الحذف،  الاستبدال، التعديل).

نفهم حينئذ بسهولة أكثر لماذا راق لمؤلف اللسانيات الديكارتية العثور في النحو العام لبوررويال على أصل النحو العام التحويلي، بحيث يتجه الهدف نحو العمل على إظهار، البنيات العميقة فيما وراء بنيات السطح(5).

ينبغي على اللساني أن يميز في الجملة المركَّبة، التالية:”لقد خلق الله اللامرئي العالم المرئي”، ثلاث عمليات مميزة للفكر :

1-الله اللامرئي، 2-خلق العالم، 3-العالم المرئي.من بين هذه القضايا الثلاث، تعتبر الثانية أساسية، بينما تتسم الأولى والثالثة، بطابعهما العرضي، مادامت لاتعمل سوى على إضافة تحديدات ثانوية، سواء للفاعل(الأول)، وتارة للصفة(الثالثة).هكذا خلصنا، بعد التحليل، إلى جملة :”خلق الله، اللامرئي، العالم المرئي”.

إذن، بالنسبة لأساتذة بور رويال، تتطابق القضايا النحوية والمنطقية.فاللغة مِرآة للعقل.بل وأكثر، اللغة هي العقل.بحيث، يتمثل التوظيف الأساسي للفعل في تأكيد الإثبات المنطقي المحض، بمعنى ضمن حالته الخالصة، وقد تجرد عن احتمالات الزمان، والشخص،  والعدد.

من بين تلك الأفعال، يعتبر الفعل الجوهري ”الكينونة” الأكثر أهمية، إلى درجة أن توظيفه سيكون أساسيا بالنسبة لكل الأفعال الأخرى، كيفما جاءت.

(يتبع)

 

هوامش المقالة :

*Josef Voss :Chomsky et la linguistique cartésienne ; Revue Philosophique de Louvain ; Année 1973  . pp. 512-538

1-العملان الرئيسان لنعوم تشومسكي هما :

Syntactic Structures(1957) ;Aspect of the theory of syntaxe(1965).

2-سنعتمد تحديدا طيلة هذه المقالة كسند مرجعي على كتاب  تشومسكي:”Cartesian Linguistics ”(1966) .

3-“جل السابق عن القرن التاسع عشر، ولم يندرج بعد ضمن اللسانيات، ربما تم التطرق إليه في بعض السطور”.

4 –التعبير لـ جورج مونان في كتابه تاريخ اللسانيات.

5 –تتعلق الأولى بالتنظيم الصوتي والتركيبي للجملة، بينما الثانية، في حين تهم الثانية بناءها المنطقي والدلالي :”يتحدد المحتوى الدلالي بناء على الجوهر البنيوي المجرد”.يعتبر حاسما التمييز بين بنية سطحية وعميقة في إطار النحو العام التحويلي؛إنه ضروري قياسا للاقتصاد العام لمشروع تشومسكي، بل ربما بالنسبة للوضعية الشاملة للسانيات الحالية.مثلما أشار إدي روليت، فإنها تمكن من المواءمة وفق تآلف جريء قدر أناقته بين مكتسبات النحو التقليدي مع إسهامات النحو البنيوي. حينما تطرح وفق مفاهيم فون همبولت، تكمن الإشكالية بالنسبة لتشومسكي في إدراك العملية اللسانية والتي بواسطتها تستطيع الذات المتكلِّمة، إنتاج عدد من الجمل غير محدد نظريا، بناء على عدد محدود من العناصر الجوهرية للغة باعتبارها بنية.هذا ليس ممكنا إلا شريطة الإقرار، في عمق البنية اللسانية، بفعل”نظام من القواعد الجلية التي تسمح بتوليد مختلف الجمل النحوية للغة”(روليت).

 

التعليقات متوقفه