نكبة الفلسطينيين ونكبات الصهاينة…بقلم د.علي منجور

ليست كتابة التاريخ بالأمر الهين لأن المولع بها لا بد أن يتجرد من إحساسه وميولاته ويعتبر نفسه قبل كل شيء إنسانا رافضا القهر والظلم والاستبداد في حق الآخرين. في هذه الحالة تصبح كتابة التاريخ أمانة سيؤديها للجميع بغض النظر عن عقائدهم وعن انتماءاتهم القومية والدينية وغيرها….

يزداد ثقل هذه الأمانة عندما يتعرض كاتب التاريخ إلى أحداث أليمة زهقت فيها أرواح كثيرة وشردت آلاف العائلات وأطردت قهرا من ديارها وأراضيها ذنبهم الوحيد كونهم نشئوا صلب مجتمع من بين خاصياته أنّ أرضه التي سكنها أجداده منذ مئات السنين وقع استهدافها في وقت ما ولسبب ما من طرف قوات أجنية.

المفهوم العميق والحقيقي للنكبة:
رغم المجازر والتهجير بالعنف وكل العمليات الإجرامية التي قامت بها الجماعات الصهيونية تحت حماية ورعاية الدولة البريطانية (تذكّروا دير ياسين 09/04/1948) لا أسمح لنفسي أن أنعت ما تعرض له الشعب الفلسطيني بالنكبة. فالكلمة تدل على تشاؤم كبير في حين أن الشعب الفلسطيني مازال قائما – والأحداث الحالية تدل على ذلك- ويناضل وأن شموخ قببه مازالت وستبقى رمز القدس.
فالنكبة كما سنرى تهم انهيار الجانب المادي والأخلاقي هذا ما لم يحصل للإخوة الفلسطينيين والحمد لله لو أخذنا بعين الاعتبار الإطار الزماني وهي سنة 1948 لقلنا أنها هزيمة عسكرية لشعب أعزل وضع منذ سنة 1922 تحت ما سمي بـــ”صك الانتداب البريطاني” وهي “الحماية البريطانية”. علينا أن نعرف سبب الموقف البريطاني حسب ما جاء عن أشهر مؤرخ فرنسي للصراع العربي- الصهيوني هانري لورانس « Henry Laurens » في مجلده الثاني من جملة خمس مجلدات تحت عنوان “مسألة فلسطين الرسالة الحضرية المقدسة”. منذ البداية يوضح لورانس أن بريطانيا أوهمت شعوب المنطقة أنها جعلت فلسطين تحت حمايتها بالقوة لكي يتسنى لها إلحاق أهاليها بالركب الحضاري فالفكرة نبعت في القرن الثامن عشر عن الألماني “بلومنباخ” من جامعة “قتنقن” وهي التي تدعى أن الذكاء تراتبي حسب الأجناس فراحت النظرية في القرن التاسع عشر والقفها في بريطانيا بن عم العالم “داروين” وفي فرنسا الدبلوماسي “قوبينو” « Gobineau » صـــــــــــــــاحب كتـــــــــــــــــــاب “عدم التكافئ بين الأجناس” « Essai sur l’inégalité de races ».
فالفكرة عنصرية بالأساس أظهر علم الجينات أنها لا أساس لها من الصحة وقد استغلها عديد رجال السياسة في العالم الغربي كـــ”جول فيري” « Jules Fery » في فرنسا وأيدها المفكر والمؤرخ المعروف “ارناست رونان” « Ernest Renan ».
بقيت البلدان الاستعمارية على غطرستها حتى بعد أن أذاقتها القوى النازية في الحرب العالمية الثانية طعم الذل والمهانة مع العلم أن هذه الجيوش ومنظومتها السياسية هي من نفس المنظومة الغربية كما جــاء في كتاب الفيلسوف الفـرنسي “جان لويس فيوليام” « Jean Louis Vuelienne » تحت عنوان “مرآة الغرب، النازية والحضارة الغربية”.
فلو رجعنا إلى مصطلح النكبة ومفهومها العميق والشامل وأخذنا بعين الاعتبار الإطار الزمني لها لقلنا أن سنة 1948 اتسمت بحدث عظيم اهتم به الكون كله وهو الحوار بين عديد من مفكريه حول فكرة احترام حقوق الإنسان والتي توّجت في آخر هذه السنة أي في 10 ديسمبر بإصدار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
هذا ما يجرنا إلى الاعتقاد الرّاسخ عندما نلتفت إلى ما حصل في فلسطين أن ما سعى له العالم الغربي في مسألة حقوق الإنسان ارطتم على الصخرة الصماء لمصالحه فتحطّم المشروع واكتشفت النوايا.

النكبة الأخرى هي نكبة الديانة اليهودية على أيدي الصهاينة

إن من يتكلم على الصراع العربي- الصهيوني عليه أن يعلم كنه الصهيونية وجوهرها.
شيئان على كل دارس للصهيونية وصراعها مع العرب أن يعرفها ويقتنع بهما:
أولا: أن الصهيونية وبناء دولة يهودية في فلسطين ليست حكرا على اليهود بل هي في مفهومها العقائدي تهم أيضا المسيحيين ذلك لأنه منذ ثورة “كرموال” « Cromwel » في انقلترا في أواسط القرن السابع عشر أضيف عند المسيحيين البروتستانت زيادة على عقيدتي “الماسيحانية” و”الألفية” اللاتي تدّعيا أن المسيح سيعود (الماسيحانية) وأن البشرية ستعيش معه ألف سنة (الألفية) ملؤها الأمن والطمأنينة ثم يأتي بعد هذا الحكـــم الأكـــــــــبــــــــــر le grand jugement. إضافة إلى هاتين العقيدتين أضيفت لهما عقيدة ثالثة وهي “الاسترجاعية” وهي التي تدعو المسيحيين إلى “إرجاع” اليهود إلى فلسطين كي يتكاثر عددهم هناك وهي حسب “أحلام يوحنا” « Apocalypse de Saint Jean » إحدى شروط قدوم عيسى.
بقيت عقيدة الاسترجاعية في إطارها الديني ولم تتحول إلى عمل سياسي إلا بعد حملة نابليون إلى مصر وفلسطين وخطابه الشهير في 30 أفريل 1799 أمام أسوار مدينة عكا التي لم يستطع اقتحامها والذي دعى فيه اليهود للقدوم إلى فلسطين والقدس افتكاكها وأخذ “إرثهم” تحت حماية الأمة العظمى La grande nation أي فرنسا.
بعد هزائم “نابليون” المتتالية على يد البريطانيين وحلفائهم افتك هؤلاء المبادرة من فرنسا الكاثوليكية وأصبحت الاسترجاعية بالأساس بريطانية وهولندية وغيرها.
لقائل أن يقول ما دخل الفرنسيين في عقيدة بروتستنية بعيدة كل البعد عن عقائد الفاتكان؟
هنا نجيب ونقول أن نابليون وعائلته منتمون كلهم للحركة الماسونية السرية التي أنشأت في انقلترا لسنة 1717 وانتشرت في كافة أوروبا. إن الهدف من تأسيس حركة “البناؤون الأحرار” هي إعادة بناء هيكل سليمان. فكل أسطورة “البناؤون الأحرار” أو “الماسنيون” تقوم على أسطورة بناء معبد سليمان من طرف “حيرام أبيف” هذا المهندس للمعبد التي تقول الأسطورة أن ملك مدينة “صور” “حيرام” بعثه إلى سليمان ليبني له معلما دينيا. إن كل التعاليم الماسونية تقوم على القبالة اليهودية أي الباطنية اليهودية (أنظر كلمة kabala في قاموس الماسونية لمؤلفه دنيال ليقو ص 657) وما أدل من ذلك إلا أسماء الدرجات التي يتقدم فيها المنتمي إليها إلى أن يصل إلى الدرجة الثالث والثلاثون وهي درجة المفتش الأكبر للقدس.
لذا على كل من يدرس الصراع العربي الصهيوني أن يتيقن أن الصهيونية المسيحية حقيقة لا يمكن التغافل عنها ولا تجاهلها.
ثانيا: يعتبر الصهاينة اليهود أن الدولة التي سيؤسسونها لا بد أن يكون لها دور وظيفي إزاء من كان سببا في تأسيسها ومساعدتهم على نشأتها.
يقول “تيودرو هارتزل” في كتابه “دولة اليهود”: “بالنسبة لأوروبا سنكون هناك (أي في فلسطين) جزءا من الحائط ضد آسيا كما سنكون المركز المتقدم للحضارة ضد التوحش” (دولة اليهود ص47).
هذه الجملة التي ذكرها تيودور هارتزل هامة جدا إذ أنها تدل على أنه فهم جيدا ما تطلبه منه الإمبريالية البريطانية الأمر الذي لم يفعله من ســـــبقه وهــــــــــو “ليوبنســـكار” « Leo Pinsker » الذي جمع مؤتمرا صهيونيا وألف كتابا تحت عنوان “التحرر الذاتي” وبعث بجماعات يهودية لبناء مستعمرات في فلسطين وتكفّل الثري اليهودي الفرنسي “أدمون روتشليد” بتمويلهم وهي الجماعات التي سميت “بأحباء صهيون” لكن رغم كل هذه المساعي أخفق “لبوبنسكار”.
لذا علينا أن نعلم أن بين الصهيونية اليهودية والإمبريالية الغربية عامة والبريطانية خاصة تعاقد معنوي هام تقوم فيه الإمبريالية بدور الراعي لكافة مصالح الصهيونية وتكون هذه الأخيرة الممثل والمدافع لمصالح الإمبرياليات أمام بقية العالم.
هذا ما يزيدنا اقتناعا بوقوف أغلبية العالم الغربي في الصراع العربي – الصهيوني لا مع الحقيقة والعدالة لكن مع مصالحه مهما كانت الوسائل المؤدية إليه، هنا أتوجه بالسؤال إلى جميع القراء: من اليهودي الصهيوني الذي كان قادرا أن يخرج قرارات في حق مدينة القدس ليسلّمها إلى الصهاينة مثلما فعل الصهيوني المسيحي “دونالد ترامب” الرئيس الأمريكي الأسبق.
إن ارتباط الدولة العبرية بالإمبريالية الغربية وخاصة بريطانيا هو الذي فسح المجال للصهيونية أن تفعل ما تشاء في فلسطين فلنستمع إلى “إيلان بابي” « ILAN PAPPE » أحد مؤرخي الموجة الجديدة من المؤرخين الإسرائيليين الذين اطلعوا على أرشيف الدولة العبرية سنة 1948 ورفضوا أن يبيعوا ضمائرهم إلى الشيطان ماذا يكتب في كتابه “التطهير العرقي في فلسطين”.
“إن البريطانيين مسؤولون عن حفظ الأمن في البلاد قبل 15 ماي (بدأ الحرب) رغم هذا قامت القوات اليهودية بطرد 250.000 فلسطيني بالقوة”.
هذا ما يؤيده الحاكم العسكري البريطاني “كونينقام” « Cunningham » عند مغادرته ميناء حيفاء يوم 15 ماي 1948: إن نهاية الإرهاب اليهودي كان مسألة سويعات لو أن الجيوش البريطانية سمح لها باستعمال قوة السلاح ضد الجالية اليهودية. لكن مثل هذه الإجراءات لم يقع اتخاذها من طرف حكومة جلالته….ليس هناك أي جيش في العالم كان قادرا على مسك نفسه أمام الاستفزازات المتواصلة (تاريخ فلسطين الجزء الثالث د. بشارة خذر ص 93)
أما العدد الجملي للفلسطينيين الذين هجّروا من ديارهم قبل وبعد 15 ماي فيمثل في الجملة 800.000 فلسطيني، وهو ما يعتبر أكثر من نصف السكان (التطهير العرقي ص 11) هذا ما جعل الرئيس الأمريكي ترومان يقول سنة 1948:
“إن خشيتي الكبرى أن يصبح اليهود كعديد الأشخاص الذين هم أقلّ حظا من غيرهم هؤلاء الذين صاروا أقوياء وأصحاب نفوذ أصبحوا متصلّبين وطغاة كالأشخاص الذين تحكموا فيهم. إن خشيتي الكبرى من وضعية اليهود هذه لأن تعاطفي كان دائما معهم المرجع http://www.xpis.ps/
إن فكرة ارتباط الصهيونية بالإمبريالية العالمية ليست وليدة أفكار أب الصهيونية “تيودور هارتزل” بل للحاخام “يهوذا القلعي” (1798-1878) وهو أول حاخام أرتودكسي يؤمن بالأفكار القبالية (الباطنية اليهودية).
قبل فتاوي “يهوذا القلعي” كانت اليهودية الأرتدكسية تعتبر اليهودية التي تؤمن بالقبالة (الباطنية اليهودية) أنها هرطقة. لأن الذهاب إلى فلسطين للاستيطان فيها لا بد أن يكون إلا وراء المسيح في آخر الزمن حسب ما جاء في الأقسام الثلاثة المتواجدة في التلمود والتي ذكرها المؤرخان الإسرائليان حسب ما جاء في كتاب الأول “شلومو زاندت” و “إيلان قريلزامر” كيف أن الشعب اليهودي وقع اختراعه” (ص 191)” إسرائيل- الرجال أصحاب اللباس الأسود” (ص 33). من جملة ما أوصى به الحاخام يهوذا القلعي أن تكون الدولة اليهودية القادمة تحت حماية ورعاية دولة عظمى كبريطانيا وهذا سبب لقاءه في أواخر ثلاثينات القرن التاسع عشر مع بالمرسبتون Palmerston (1784-1865) وزير خارجية بريطانيا الذي سيصبح في ما بعد وزيرها الأول.
(قد تحولت كل أفكار “يهوذا القلعي” إلى “تيودور هارتزل” عبر جده “سيمون هارتزل” الذي كان أحد مريدي الحاخام.
إن من أخطر ما أبلغ “سيمون هارتزل” لحفيده “تيودور” أفكار قبالية (القبالة عند اليهود هم الباطنية التي تنكر عديد الأحيان تعاليم التلمود والتوراة وتعويضها بما جاء به القباليون وخاصة منهم تعاليم الماشيحى الدجالين).
من أخطر ما جاء عن هؤلاء الماسيحى الدجالين أفكار آخرهم “جاكوب فرانك” (1726-1791) الذي ابتدع نظرية جديدة للتقرب إلى الخالق وهي التي سماها “الخلاص عبر الخطيئة” والتي تدّعي أنه ليس من المفروض أن يخرج الخير من الخير والشر من الشر والطاعة من الطاعة والعصيان من العصيان فكم من حالة نجد فيها الخير والطاعة مختفيان خلف الشر والعصيان فلا بد حينئذ المرور عبر الشر والعصيان للوصول إلى الخير والطاعة. هكذا في نسق أفكار المسيح الدجال “جاكوب فرانك” يمضي الحاخام يهوذا القلعي قائلا : لهذا لا يمكننا الانتظار حتى يظهر المسيح لنذهب إلى فلسطين…
هكذا لم يبق الصهاينة عقيدة “الخلاص عبر الخطيئة” في المجال النظري. فبعد أن تخطوا العقيدة التلمودية التي تمنعهم من الذهاب إلى فلسطين لافتكاكها بالقوة طبقوا ما أوصاهم به آخر مسيح دجال في أعسر فترة من تاريخ اليهود تلك التي شهدت إبادة ستة ملايين يهودي على يد النازيين في الحرب العالمية الثانية.
في هذه الحرب عقد اتفاق بين أحد أقرباء مساعدي “بن غريون” وهو الدكتور “رودولف كاستنار” مع “أدولف أيشمان” الضابط السامي الألماني لـــSS المسؤول عن إبادة اليهود. بمقتضى هذا الاتفاق سلّمت السلطات النازية للصهاينة ما يقارب 1680 يهودي صهيوني في برلين مقابل تسليم الصهاينة ما يقارب نصف مليون يهودي مجري. كانت السلطات النازية متخوّفة أن ينتفضوا في أماكن اعتقالهم فأقنعتهم القيادات الصهيونية عندما بعثت ببعض أعوانها لتوهمهم أنهم سيعتقلون لفترة ما ثم سيفرج عنهم إذا بقوا هادئين.
إنها لعمري أكبر نكبة عرفها التاريخ البشري تلك التي حلت باليهود على أيدي يهود آخرين تحالفوا مع النازيين.
وهذه عينة من بعض الكتب التي تطرقت للموضوع مع أسماء مؤلفيها:
الفاشية في ظل النجمة السداسية (تأليف يفجيني يفسييف)، نجمة داوود والصليب المعكوف (تأليف فارس قلوب باشا)، الصهيونية والنازية ونهاية التاريخ (تأليف عبد الوهاب المسيري- صاحب الموسوعة)، الوجه الأخر: العلاقة السرية بين النازية وقيادة الحركة الصهيونية (تأليف الدكتور محمود عباس – الرئيس الحالي للدولة الفلسطينية)، الصهيونية في زمن الديكتاتورية: التاريخ الموثق لعلاقات الصهيونية بالفاشية والنازية (تأليف يرينر)، يهود متعاونون الجزء الأول والثاني (تأليف موريس رافجوس)، العدو الداخلي (تأليف موريس رافجوس)، المليون السابع (تأليف توم سيقيف- مؤرخ إسرائيلي من الموجة الجديدة). ليس هذا إلا أنموذجا من الكتب التي تعرضت لموضوع التعاون الصهيوني النازي وعددها مازال يطول.
هذه هي النكبة الحقيقة التي تسببت فيها الصهيونية ليهود العالم وحاولت طمس كل حقائقها.
نقول ونكرر أن الصهيونية ارتكزت على هرطقة المسيح الدجال “جاكوب فرانك” وعلى نظريته الشيطانية “الخلاص عبر الخطيئة” تلك التي تبنّاها أول حاخام أرتودكسي انخرط في القبالة “يهوذا القلعي” الذي كان من جملة مريديه “سيمون هارتزل” الذي لقنها بدوره لحفيده “تيودور”. مات “سيمون” و”تيودور” في سن السابعة عشر من عمره
المصدر: السيرة الذاتية لتبودور هارتزل *
* (Théodore Herzl ou le labyrinthe de l’exil. Ernst Pawel Ed.Seuil)

قد يعجبك ايضا

التعليقات متوقفه