2021 عام تتويج “اسرائيل” كأخر دولة استعمار وفصل عنصري…بقلم الدكتور سنان شقديح

لن ينقضي هذا العام، دون ان تحمل اسرائيل بجدارة مطلقة لقب دولة فصل عنصري. كل الأرهاصات السياسية على مختلف المستويات، باستثناء الرسمي الدولي منها، تغض الخطى بهذا الأتجاه.

قد تتعامي المستويات الرسمية الدولية عن تكرس اسرائيل دولة فصل عنصري لكن ذلك لن يدوم طويلا امام حقائق أرض تفرضها أرادة المجتمع المدني العالمي العابرة للشعوب، الأعراق، الاجيال، الجندر والاديان. ارادة المجتمع المدني العالمي باتت ترى، تسمع، وتتابع بحكم ثورة وسائل الأعلام البديلة جرائم وعنصرية حكومة اسرائيل اليومية وبدأت تتحرك عبر مئات الاف السياسسين، ، الاعلاميين، الفنانين، عارضات وعارضي الأزياء، صناع المحتوى، الاكاديميين، الناشطين، المؤسسات، النقابات، الجامعات، ، الأحزاب، الكنائس، المساجد، المعابد اليهودية وحتى منظمات الممثلين بضمنهم نقابات الافلام الأباحية بل ان نقابة من الفئة الأخيرة صدرت بيانا لم ينشر تدين فيه جرائم اسرائيل.

بيانات اعتبار اسرائيل دولة فصل عنصري توالت كالسيل خلال الاشهر الثلاث الماضية وصدر اخرها عن مجموعة متعددة العرقيات من شخصيات تمثل غالبية الفئات المذكورة في الفقرة السابقة وبينهم عدد من الحائزين على جائزة نوبل لا يطالبون فقط باعتبار اسرائيل دولة فصل عنصري بل بتفكيكها سلميا وقانونيا بعد ان اوحى بيانهم باستحالة الكيلولة دون تحول دولة اسرائيل الى دولة فاشية تمارس كل اشكال الفصل العنصري(١).

سبق ذلك شهادة شاهد من اهل اسرائيل حين اصدرت منظمة حقوق الانسان الاسرائيلية “بيت سالم” مطلع العام الحالي تقريرا داخليا كشف بألارقام والمعلومات تحول اسرائيل لدولة فصل عنصري وحمل عنوان: “من البحر المتوسط الى نهر الأردن دولة لاصحاب نظرية التفوق اليهودي: انها دولة فصل عنصري”. (٢)
نهاية شهر ابريك اصدرت منظمة “هيومن رايتس وواتش” الأميركية تقريرا ذهب في ذات سياق سابقه عنوانه: ” اجتياز الخط الأحمر: جرائم الفصل العنصري الاسرائيلية ومحاكمتها.
بعدها بشهر اطلق وزير الخارجية الفرنسي جان ايف لودريان حذر فيه من مخاطر ان تشهد اسرائيل سياسات فصل عنصري.(٣)
وسبقه الى ذلك تصريحات لم تكن للنشر وكانت ابان الأنتخابات الأميركية لمن اصبح بعد ذلك وزيرا للخارجية توني بلينكن حين قال بدبلوماسيته المبالغ بها وهو يظهر انطباعات الحائر على وجهه بشكل مقصود في اجتماع مغلق حضرته شخصيا: هناك الكثير من البحث الذي علينا ان نقوم به لنفهم كيف من الممكن ان تكون اسرائيل دولة يهودية وديمقراطية معا.
وحتى داخل اسرائيل فهناك عريضة ينمو عدد الموقعين عليها من اليهود الأسرائيليين وهم الان اكثر من الف الأن بعنوان: رسالة مفتوحة للمجتمع الدولي: اوقفوا الفصل العنصري الاسرائيلي. وتعهد الموقعين بالعمل لاسقاط هذه سياسات تفوق العرق اليهودي ليس فقط في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 ولكن في يافا وحيفا واللد.(4)
وان لم يكن توقيع الف يهودي اسرائيلي كافيا فأن القصة وصلت ابعد من ذلك بكثير حين دشن ١٥٠ يهوديا اميركيا حالة القرف من الجرائم ضد الأنسانية التي ترتكبها اسرائيل بأسمهم بالتحرك بشجاعة للمطالبة بأزالة اعلام اسرائيل من المعابد اليهودية في العالم. ذات البيان اعتبر اسرائيل دولة فصل عنصري مشيرا الى ان الشرعية الدولية تعتبر الفصل العنصري منذ العام 1970 كجريمة ضد الأنسانية. هذا البيان الصادر حمل في طياته نقضا كاملا للرواية الصهيونية حين قال نصا: ان اسرائيل منذ تأسيسها طردت السكان الاصليين الفلسطينيين من ارضهم التي يعيشون فيها منذ قرون. البيان ذهب للتاريخ وتحدث عن المنظمات الصهيونية وجرائمها وتحالفها مع اعداء السامية واليمين المتطرف بما يهدد حياة اليهود في العالم (5)
وحتى نخبة النخبة بين اليهود الأميركان تحركت لتفصل نفسها عن جرائم اسرائيل حيث اصدر 100 خريج يهودي من جامعة “ييل” المعروفة بيانا طالبوا فيه نظرائهم اليهود بأدانة الجرائم التي ترتكبها اسرائيل بأسم الديانة اليهودية وطالبوا بأزالة علم اسرائيل من المعبد اليهودي التابع للجامعة وايضا طالبوا المؤسسات اليهودية بالتوقف عن الخلط بين اليهودية واسرائيل. بعد البيان الاخير الذي صدر في شهر مايو تبنت الحكومة الطلابية لجامعة “ييل” موقفا ادانت فيه سياسات التطهير العرقي الاسرائيلية وربطت فيه بين تدريب الشرطة الأميركية على يد خبراء اسرائيلين وبين العنف الذي تمارسه القوى الامنية الأميركية في احياء الافارقة الأميركان. (6)
بعد ذلك بشهرين نشر مركز دراسات يهودي امريكي دراسة نفذت لحسابه جاء فيها ان 22% من يهود الولايات المتحدة يعتبرون ان اسرائيل تمارس التطهير العرقي ضد الفلسطينيين.
ومنذ شهر مايو للان تتواصل مواقف النقابات الأميركية التي تعتبر اسرائيل دولة فصل عنصري حيث نشر موقع ” هذا الزمن” المختص بالنقابات مقالا وثق فيه مواقف عشرات النقابات الاميركية وتضم بمجملها مئات الاف العمال الاميركيين كلها اعتبرت اسرائيل دولة تطهير عرقي وفصل عنصري واستخدمت ذات الالفاظ في ادانة جرائمها بما يشبه الثورة النقابية الأميركية على اسرائيل. وليس ممكنا ضمن عجالة هذا المقال توثيف اسماء هذه النقابات بل ان المقال لم ينشر سوى بعضا منها. ويلفت الأنتباه ان من بين النقابات التي اصدرت بيانات عن عنصرية اسرائيل هي نقابة العاملين في المواقع الصحفية والاعلامية وعدد اعضاءها نحو 24 الف عضو وهؤلاء تحديدا يمكن اعتبار كل منهم من صانعي المحتوى(7).
وكان ملفتا للانتباه ايضا دخول صناع محتوى لهم ملايين المتابعين على خط مناهضة اسرائيل مثل عارضات وعارضي الازياء منهم الاختين حديد وحتى ممثلة الأفلام الأباحية المعتزلة مي خليفة التي نشرت تغريدة وصورة لها مع زجاجة نبيذ وكتبت تعليقا عليها قالت فية: زجاجة النبيذ التي اشربها اقدم من دولة فصلكم العنصري. (8)
وحتى على مستوى الكنائس فقد بات انتقل وصف اسرائيل بدولة الفصل العنصري الى الرئيسية منها واصدرت كنيسة المسيح المتحدة البالغ عدد اعضاءها اكثر من 800 الف مؤمن الشهر الماضي بيانا عن مؤتمرها العام استخدمت فيه مصطلح: دولة الفصل العنصري في وصف اسرائيل بينما ستصوت كنيستا “المشيخية” و ” الميثودية” والاولى عدد اعضاءها مليونان والاخيرة 8 ملايين على قرارات مشابهة قريبا عند انعقاد مؤتمراتها العامة.(9).
وعلى مستوى النقابات المهنية فقد توالت مواقف بيانات نقابات المعلمين الاميركية الفرعية التي تعتبر اسرائيل دولة فصل عنصري وبينها نقابات سان فرانسسيكو(10) ولوس انجيلوس (١١) وسياتل (12) فيما صوتت نقابة معلمي ولاية ايلينويز بواع 83 % مع تقديم قرار لأتحاد المعلمين الأميركي ويضم نحو 3 ملايين معلم يعتبر اسرائيل دولة فصل عنصري. ومع ان القرار سقط بالتصويت الا ان من صوت لصالحة ضمن النقابة الوطنية هي نقابات فرعية تمثل اكثر من 700 الف معلم وان كان لم يمر خلال العام الحالي فسينجح في العام القادم او الذي يليه.
وكان ملفتا ان الأطار النقابي التابع للوبي الأسرائيلي في الولايات المتحدة والذي كان يعتمد عليه في شن الحملات النقابية ويسمى اللجان النقابية اليهودية لم يجد امامه غير ان يعلن انه يؤيد حل الدولتين ويأسف لخسارة الارواح في الطرفين في اعلان غير مباشر للهزيمة بسبب فشله في التصدي لثورة النقابات على جرائم وعنصرية اسرائيل.(13)
وقد تكون الرسالة التي وقعها اكثر من 16 الف فنان عالمي هي الاكثر تأثيرا ومن بين موقعيها 6 يحملون جائزة اوسكار وثمانية يحملون جائزة بولتيزر قالو فيها : ان الحرب الاخيرة في غزة ليست حربا بين طرفين متعادلين بل حرب بين قوة استعمار وشعب تحت الاستعمار. واضاف بيانهم هذه ليست ازمة بل فصل عنصري.(14)
لو امتلكت الوقت الكافي لوثقت الاف البيانات التي تعتبر اسرائيل دولة فصل عنصري واتجاهها التصاعدي. ولوثقت كذلك الاف التظاهرات التي شارك بها ملايين في الاف المدن العالمية وكلها رفعت يافطات تعتبر اسرائيل دولة فصل عنصري.
مشكلة حكومات اسرائيل المتتالية انها ترى نفسها عبر مراياها الداخلية المفضلة ذات الأضاءة القوية المنتقاة واعلامها الداخلي المفضل الذي يعمي اعين قادتها حتى عن التحول داخل المجتمع اليهودي خارجها.
وحتى ان تلمست حكومة اسرائيل طبيعة مخاطر المرحلة القادمة فأنها تلجأ كااعادة لحلول القوة الغاشمة واستثمار علاقاتها وامكاناتها المالية لضرب من تعتقد انهم اعداءها.
اسرائيل فعلت ذلك مع حركة مقاطعتها وفرض العقوبات عليها وسحب الاستثمارات منها (BDS) وانشئت لها وزارة الشؤون الاستراتيجية واستثمرت بها مئات ملايين الدولارات وهي الوزارة التي هزمت وحلت بصمت مع توقيع اسرائيل اعلان الموافقة على وقف اطلاق نارها على غزة في مايو الماضي وعلى وقع هتافات جماهير خرجت بالملايين تنديدا بجرائمها في مختلف دول العالم.
انتقال المجتمع المدني الدولي خلال هذا العام نحو اعتبار اسرائيل وليس فقط حكومتها دولة فصل عنصري يكشف بحد ذاته ان الحل المطروح هو تفكيك كيان ” الابارتايد” اولا وكخطوة لتحقيق حل الدولة الواحدة او الدولتين الذي اتيحت لأسرائيل فرصتة الذهبية عبر “اوسلو” فقتلته بالأستيطان وبالجرائم اليومية ضد مدنيين وأطفال ونساء.
اسرائيل امام خيارين الأول ان تهرول عائدة لحل الدولتين وهذا مستبعد جدا على ضوء تعاظم الاتجاهات اليمينية العنصرية بين مستعمريها والثاني هو ان تخوض حربا مفتوحة خسارتها محتومة مع مجتمع مدني دولي يعمل كالنمل الابيض على التهام اساسات شرعية وجودها.
من دون حروب انهارت دولة نووية كالاتحاد السوفياتي ودول المنظومة الأشتراكية واخرى اكثر اهمية استراتيجية من اسرائيل الان وهي جنوب افريقيا وايضا انظمة الربيع العربي.
اسرائيل على بعد مجزرة اطفال اخرى من تفككها والتحاقها بشقيقتها غير المأسوف عليها حكومة جنوب افريقيا العنصرية العنصرية.

قد يعجبك ايضا

التعليقات متوقفه