الاسلام المحمّدي والإسلام الأمريكي في فكر الإمام الخميني…بقلم محمد الرصافي المقداد 

0
202

عندما وصف الإمام الخميني توجّها معيّنا، سلكته فئة من المسلمين، معنونا إيّاه بالإسلام الأمريكي، مؤكّدا على خطورته في خطاباته، وزاد الامام الخامنئي في اعتماد مصطلحه، موضّحا أهمّية التفريق بينهما، وتحصين المجتمعات الاسلامية من مغبّة الخلط بينهما، إدراكا ووعيا منهما، حقيقة واحدة تقول: أن المخطط الذي رسمه أعداء الإسلام، وفي مقدّمتهم قادة البيت الأسود (الابيض)، كان من أجل ضرب حقيقة الإسلام المحمدي الأصيل، بعد انتصار الثورة الاسلامية في إيران، لتنفير غير المسلمين منه، وإظهار بديله في حالة من التناقض مع القيم الإسلامية الحقيقية، محرّفا عن مساره وأهدافه الإنسانية، منقوصا من آلياته، ولا يفي بشيء من حاجات الناس في الأمن والعدل.

في بيان أصدره الإمام الخميني، بمناسبة أربعينية اغتيال العلّامة السيد عارف حسين الحسيني (باكستان)، كتب رحمة الله عليه: (اليوم وبعد أن عجز الاستكبار الشرقي والغربي عن المواجهة المباشرة مع العالم الاسلامي، لجأ الى تجربة أسلوب الإغتيال، وقتل الشخصيات الدينية والسياسية من جهة، ونشر وإشاعة ثقافة الإسلام الأمريكي من جهة أخرى… إن مواجهة الإسلام الأمريكي تتميز بتعقيداتها الخاصة، مما ينبغي كشف جميع خباياها وأسرارها للمسلمين المستضعفين، حتى يدركوا فداحة خطرها، لأن الكثير من الشعوب الإسلامية لا زالت وللأسف، لا تميّز الحد الفاصل بين الإسلام الأمريكي، والإسلام المحمدي الأصيل، بين إسلام المستضعفين والمحرومين، واسلام المتحجّرين والمتشددين والرأسماليين المرفّهين، وتوضيح هذه الحقيقة، والتمييز بين فكرين متضادين ومتعارضين، في دين ومذهب واحد، يعدّ من أهمّ الواجبات السياسية على المسلمين…) (1)

وفي معرض تعريفه بالإسلام المحمدي الأصيل، قال الإمام:

(إنّ أهمّ وظيفة عند الأنبياء (ع)، كانت اقامة نظام اجتماعي عادل، عن طريق تطبيق القوانين والأحكام، التي تتلازم بالطبع مع بيان الأحكام، ونشر التعاليم والعقائد الإلهية، كما يتضح هذا المعنى من الآية الشريفة ( لقد أرسلنا رسلنا بالبيّنات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط)(2).. إنّ الهدف من بعثة الانبياء(ع) بشكل عام، هو هداية الناس، لتنظيم أمورهم وترتيبها، من خلال إقامة علاقات اجتماعية عادلة، والسير في طريق الصلاح، وهذا لا يتحقق الا بإقامة الحكومة، وتطبيق الأحكام المختلفة، سواء وفّق النبي نفسه بإقامة الحكومة، كما فعل الرسول الأكرم (ص) أو وفّق أتباعه فيما بعد بإقامتها، وإقامة نظام اجتماعي عادل.) (3)

ثم اثنى الامام الخميني على دور الفقيه العادل الجامع لشرائط الاجتهاد، معتبرا اياه امتدادا لسلسة الحكومة الاسلامية في هذا العصر، واسلام بلا حكومة نابعة من أحكامه الإلهية، وجزء لا يتجزأ عنه، هو بالنسبة اليه اسلام ناقص عقيم، فاقد لآلية البقاء، وقد عرّف الفقيه العادل، على أساس أنه المعنيّ بقيادة الأمّة، وليس مجرّد مرجع للفتوى وتفسير الأحكام فقال:

(المجتهد ينبغي أن يكون مطلعا على المسائل المطروحة في عصره، اذا جميع أفراد الشعب والشباب وحتى العوام، لا يمكن أن يقبلوا مجتهدا لا يبدي رأيا في المسائل السياسية، لأن من صفاة المجتهد الجامع للشرائط، معرفته بالأساليب التي ينبغي اتباعها، في التصدّي لأنواع الحيل والتشويه الثقافي السائد في العالم، وامتلاكه لبصيرة ورؤية اقتصادية، واطلاعه على كيفية التعامل مع النظام الاقتصادي السائد في العالم، ومعرفته بمختلف الرؤى والنظريات السياسية، وحتى السياسيين، ومعادلاتهم السياسية التي يتحكمون بها، وإدراكه للظروف السياسية السائدة في العالم، ومعرفة نقاط قوة وضعف النظامين الحاكمين في العالم، أي الرأسمالية والاشتراكية، الذين يرسمان في الواقع استراتيجية الحكومة والسلطة في العالم، كذلك ينبغي أن يتميز المجتهد بالوعي والذكاء والفراسة، التي تمكنه من هداية وقيادة المجتمع الإسلامي، بل وغير الإسلامي أيضا، إضافة الى ما يجب أن يتمتّع به من خصال، الاخلاص والزهد والتقوى، التي تعدّ من الصفاة الضرورية، التي تليق بمكانة المجتهد وشأنه، فهو مدير ومدبّر في نفس الوقت، ان الحكومة من وجهة نظر المجتهد الحقيقي، هي الفلسفة العملية لجميع مسائل الفقه، في جميع مرافق الحياة البشرية، وتمثل الصبغة العملية، في التعامل مع جميع المشاكل، الاجتماعية والسياسية والعسكرية والثقافية، والفقه يمثل النظرية الحقيقية الكاملة، لإدارة الانسان والمجتمع، من المهد الى اللحد.) (4)

وفي تعريف آخر للإسلام المحمدي الأصيل قال: (ينبغي عليكم أن تبيّنوا للعالم، كيف انتفض الشعب، وثار ضد الظلم والطغيان والتحجّر، والرّجعية والتّخلف، وكيف تمكن من نشر فكر الاسلام المحمدي الأصيل، بدلا عن فكر الاسلام الملكي، والاسلام الرأسمالي، والاسلام اللقيط، باختصار بدلا عن الاسلام الأمريكي.) (5)

وفي تعريف آخر للإسلام قال: (الاسلام الأصيل لا يتلخّص فقط بالشعار والادعاء، بل يستلزم تحققه في نفس الإنسان، التزامه العملي والأخلاقي في سلوكه وعمله، اذا لا فائدة في الإيمان بدون العمل الصالح، كما أنّ العمل بدون الايمان لا يحقق سعادة البشر، لأن الحياة الطيبة وحياة الإيمان والدين، التي تعبّر عن السعادة الحقيقية للبشر، إنما تتحقق في ظل وجود الإيمان المرتبط بالعمل الصالح، حيث عبّر عنه القرآن الكريم في قوله: (من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيّبة)) (6)

وفي تعريف آخر للإسلام الذي تريده أمريكا والقوى المستكبرة في العالم قال: (إن الدين الذي يصبح وسيلة لتسلط القوى العظمى والطغاة، على الموارد الثروات المادية والمعنوية، في الدول الاسلامية وغير الاسلامية، ويسعى لإجبار الناس على فصل الدين عن السياسة، هو دين يسعى لتخدير المجتمع، مما يجعله يفقد صبغة الدين الحقيقية، بل هو دين يطلق عليه شعبنا اصطلاح الدين الأمريكي.) (7)

لقد استهدف الاسلام في أهمّ وأعظم أحكامه وهو الحكومة، التي بواسطتها تنفّذ الآداب والأحكام، وتدار حياة الناس ومجتمعاتهم، بما يضمن استمرارها مستقرة على ركنين أساسيين، هما العدل والأمن، ومن دون اعتبار لضرورة وجود الحكومة الاسلامية، لا يمكن للإسلام أحكاما وقيما ومبادئ، أن يحافظ على بقائه فاعلا في حياة الناس، وقد أثبتت التجارب وحدثنا التاريخ، عن سلبية الأداء السياسي في ظل انظمة مدّعية للإسلام وعاملة بخلافه.

من خلال فكر هذا المصلح الكبير، باستطاعتنا أن نميز بين منهجين كلاهما يدعي الاسلام، ويتشبث بطريقته في بيانه، بين اسلام يعتبر امتدادا لحركة الانبياء عليهم السلام، والنبي الخاتم محمد بن عبد الله، جاء ليخلص الناس كافة من الظلم والاستغلال والتمييز، وبين اسلام مشوّه، أراد به أصحابه أن يكون بابا لهم في امتهان الناس واستعبادهم باسم الدين، ولا يجد عاقلا أدنى صعوبة في التفريق بينهما، على أساس أحقّية هذا المنهج من ذاك….

المراجع

1 – صحيفة النور ج21ص8

2 – سورة الحديد الآية 25

3 – ولاية الفقيه أو الحكومة الاسلامية الامام الخميني ص 59

4 – صحيفة النور ج21ص98

5 – صحيفة النور ج 21 ص74

6 – سورة النحل الآية 95

7 – صحيفة النور ج21ص 69 من بيان له الى ميخائيل غورباتشوف رئيس الاتحاد السوفييتي السابق بتاريخ 11/10/1367 هجري شمسي.