الإمام علي (ع) في ذكرى ميلاده المبارك…بقلم محمد الرصافي المقداد

0
223

الثالث عشر من شهر رجب، هو يوم من أيام الله الكبرى، وحقيق لهذه الذكرى العزيزة، أن تفخر بتفردها، وتتباهى بفضلها، وتصدح بتميزها عن غيرها من المناسبات الاسلامية، هي مفتاح الايام البيض الثلاثة، من شهر الله الحرام، شهر رجب الاصب، وبوابة الدخول الى ساحة الايمان، بولاية الائمة الاطهار عليهم السلام، من أهل بيت النبي المختار صلى الله عليه واله وسلم، فمن عرف حقهم الواجب، عرف بالضرورة المرسل والرسول والرسالة، لا يشوبه فيهم شك ولا ريب، وولاية علي وأهل بيته عليهم السلام ركن من أركان الإيمان.

بين ولادته المباركة الطاهرة في جوف الكعبة، ودحوه باب خيبر، وضربة الملعون بن ملجم على راسه الشريف الناطق علما وحكمة، وهو متوجّه الى خالقه في محراب الكوفة، يختزل الاسلام بكل تفاصيله، اسلام التضحية الجمّة والفداء المقدس، والعطاء بلا حدود

في هذا اليوم الذي ازدانت الكعبة المشرفة، بيت الله الحرام، بمولود بهي الطلعة، مباركا على أمة الاسلام والانسانية جمعاء، انفتح جدارها في اعجاز معروف، تلبية لامر رب العالمين، الذي اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون، فحصل هنالك الحدث الفريد، مولد ازدانت فيه الكعبة بخير الخلق، بعد أخيه خاتم الانبياء والمرسلين، صلى الله عليه واله وسلم، فتفردت به كما تفرد بها، حيث لم يولد مولود غيره في داخلها، منذ أن أقام قواعدها، خليل الله ابراهيم عليه السلام، علي بن أبي طالب عليه السلام، مثله كما أخبر عنه النبي صلى الله عليه واله وسلم، كمثل الكعبة يؤتى ولا يأتي، فمن عرف عليا وأتاه مؤمنا بولايته، ومضى على نهجه، فقد نجا من سبل الغواية والضلال، ومن لم يعرف عليا، لم يملك التمييز بين ما هو حق له وما هو باطل، واشتبهت عليه السّبل، فلم يدرك أي وجهة يأخذها، فقد خسر صفقة دينه، علي مع الحق والحق معه، تماما كما أنه مع القران ثقلا وعدلا لا يفترقان، لكنه على مكانته الرفيعة تلك زوي عنها، بعدما اجتهد اعداؤه في أخفائها دونه.

بين ولادته المباركة الطاهرة في جوف الكعبة، ودحوه باب خيبر، وضربة الملعون بن ملجم على راسه الشريف الناطق علما وحكمة، وهو متوجّه الى خالقه في محراب الكوفة، يختزل الاسلام بكل تفاصيله، اسلام التضحية الجمّة والفداء المقدس، والعطاء بلا حدود، اسلام عناصر الهداية، التي أوكل الله إليها، مهمة جبارة ومصيرية، في كون هؤلاء الأولياء الذين أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، منارات هدى، يستضيء بها المؤمنون، على الصراط الذي عبّدوه، وارتضاه لخلقه، وجعله عنوانا للفوز والنجاة، لمن اعتمده ومضى عليه، قد يرى من يرى في هذا الكلام مبالغة، وهو معذور إذا ما قصُرت به سبيل المعرفة فلم يدركها، ولم ينتبه من غفلة التبعية العمياء التي رافقها، فلم تغني عنه من حقّ علي شيئا، ومن أوقف حياته على تخرّصات جاء النبي صلى الله عليه واله وسلم، ومعه فلان وفلان، ورجع ومعه فلان وفلان، وجلس ومعه فلان وفلان، في تسلسل لا يغني عن الحق شيئا، بعيد تماما عما كان واقعا، فمتى غاب النبي صلى الله عليه واله وسلم، عن علي عليه السلام، ومات غاب علي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه واله وسلم، حتى يأتي غيره، فيأخذ مكانه تحيلا وسرقة وخبثا؟ يكفيهم لو انتبهوا من غفلتهم أن أكبر هجرة وقعت كانت لعليّ عليه السلام حيث كانت له مهمة جسيمة تمثلت في الخروج بالفواطم الثلاثة ( فاطمة بنت النبي (ص) وفاطمة بنت اسد أمه وفاطمة بنت الزبير بن عبد المطلب) وبمن بقي من المؤمنين المستضعفين، تلك الهجرة التي جابه فيها فرسان قريش وتغلب عليهم، فليسألوا أنفسهم لماذا رفض النبي دخول المدينة الى أن وافاه علي وركبه المليء بالإيمان وكانت فرحته عظيمة بوصوله سالما؟ أليس الذي يحبّه الله ورسوله أولى ممن قد يكون متظاهرا بالحب ولا مقابل له على ذلك؟ السيرة الصحيحة والتاريخ بمنطق القرآن، والنصوص النبوية الصحيحة، والاثبات العملي لمختلف انجازات علي عليه السلام، تثبت عكس ما روّجته الروايات الأموية، في استبداله بغيره مع النبي صلى الله عليه واله وسلم في حلّه وترحاله، في حربه كما في سلمه، وفي معافاته كما في مرضه، توأمان لا يفترقان الا بأمر إلهي لا مجال لردّه، فأين الثرى من الثريا؟

من حق كل من درس السيرة النبوية أن يتساءل: أين بصمات علي عليه السلام في كبار أحداثها؟ ولماذا غبن حقه بالظهور الجليّ في وطيس معاركها، التي عنونت بالنصر خواتمها، وبنت بالعزّ صرح الاسلام المحمدي الانتماء، العلوي التأسيس لبنة لبنة ومعركة معركة؟ وما حق من أنكر بلاغته التي أرسلها في طوال خطبه وقصار حكمه، إرسال البارع في صياغتها، بدون جهد ممتحن، ولا غلبة متفكر، ولا استنباط حائر؟ إنما كان يطلقها على سليقته، فتنتثر من لسانه عذبة النطق رائقة المسمع. وما وجه النكارة في ما نسب اليه من بلاغة وحكمة؟ وهو تلميذ النبي الأنجب، ورحمه الأقرب الذي انفرد دون جيل الصحابة بعلو همته ونبوغ عقله وتمام ادراكه لما عجز عنه غيره، وقد كان له الى أخيه النبي طريقان، طريق بالنهار، يشارك من حضر فيه مجلسه، ويغلبهم عليه بالسؤال والاستفسار، حتى تكتمل عنده الفكرة وتتم المعرفة، فيزداد بها تألقا وسعة، وطريق بالليل، اختص به دون الناس، ويا لها من ميزة، أخفاها الكثيرون ولم يسع ابن أبي الحديد المعتزلي تجاهلها، فأوردها في شرح النهج إيراد المسلمات، ان اخفاء تفاصيل جهاده، بمجرد اشارة مبهمة لا توصل اليه، يعتبر بغضا غير مبرر، وعلامة نفاق، عرف بها كل من قدم على علي عليه السلام غيره، كما ان من انكر بلاغته، لا يخرج عن اطار الجاهل بحال علي عليه السلام، أو الحاسد لطاقة من طاقاته المعرفية.

وعلي في قوتيه الجاذبة والدافعة، التي تناولها الشهيد مطهري، قد عرف الاسلام الاصيل، وفصله عن شوائب التحريف التي لحقت به، في ظل حكومتي الاستبداد الاموية والعباسية، علي لا يحبه الا مؤمن ولا يبغضه الا منافق، وكفى بذلك بيّنة على المجذوب لعلي بطبعه، والمدفوع عنه بطبعه، فهنيئا لأولياء علي عليه السلام بهذه الذكرى العطرة، والله نسأل أن يجعلنا ممن يعمل بسيرة علي ووصاياه فهي زبدة الاسلام وجوهره المتوارث عنه جيلا بعد جيل، وطوبى لمن استمر على ذلك وختم حياته بما ختم بها عليا، (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين