من وحي البعثة النبوية…بقلم محمد الرصافي المقداد

0
45

يصادف يوم 27 من شهر رجب الأصبّ، ذكرى بعثة سيد الأنبياء والمرسلين، أبي القاسم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهو يوم عظيم من أيّام الله المباركة، التي ضمّنها سبحانه وتعالى إرادته في هداية خلقه، بأن أرسل فيه خاتم رسله وأحبّهم اليه، إلى الناس كافة، ليخرجهم من ظلمات جاهلية الأحكام التي ابتدع كبراءهم وزعماءهم، إلى أنوار العودة إليه، خالقا وحاكما ومدبرا، حيث لا حكم ولا خلق ولا تدبير، إلا بما ضمنه حبيبه من قيم وأحكام، لا تحتاج إلى أحد غيره من زيادة أو تغيير، وهي كما جاء في محكم وحيه.

مسيرة الوحي الإلهي منذ أن بدأت بأبينا آدم عليه السلام، إلى أن اختتمت بنبيّنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، كانت توعوية وأخلاقية من جهة، وإلزامية مفروضة من جهة أخرى، أما التوعوية، فمرادها توجيه الناس إلى طريق الرّشد والصلاح، وتعليمهم مكارم الأخلاق، التي بعث لأجلها متمما نبينا الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وأما الإلزامية، فهي مجموع الأحكام التي شرّعها، من أجل خير البشرية، وسلامة مجتمعاتها في تعايشهم ومعاملاتهم، دون أي إضرار بها في إطارها الخاص والعام، ولا يمكن ان يستكمل المقصدان من دون أن يكون صاحب الدّعوة، نبيّا كاملا خَلقا وخُلقا، معصوما في ادائه، منزّها في حياته من كل عائبة وشائنة، يمكن أن يرمى بها، فتعوقه عن أداء مهمّته.

هذا الاعداد الإلهي لأصفيائه من خلقه ضروري، لضمان أن يكون الحجة من لدنه، مستوفيا امكاناته الروحية والعقلية والبدنية، طاهرا مطهّرا من كل دنس وسوء ونقيصة، إذ يمتنع العقل السليم، من قبول نقص ما للمُرسل، ولو كان صغيرا، كالسّهو والنسيان، الذي يعتري اغلب الناس، في عدم حضورهم الذهني الكامل في حياتهم، لسبب من الأسباب المانعة »…قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ … «(1)

بعثة نبويّة تلخّصت في آيتين كريمتين:

الأولى: سببيّة: قوله تعالى: »هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ «(2) اقتضت حكمة الباري تعالى ان يجعل للعرب نصيبا من رسالاته، فختم بهم وحيه، فهم الأميّون الذي لم ينزل فيهم كتابا من قبل بدليل قوله تعالى:» فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَاد3)«)

الثانية: غايتيّة: قوله تعالى:» وما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ«(4)

وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم:» إنّمَا بٌعثتٌ لأتمّمَ مَكَارمَ الأخلاق «(5)

وبعثة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك الزمن المليء بالموبقات والخبائث، كان هدفها أن يقوم باستقباحها كأفعال سيئة، مرفوضة بشريعة الباري تعالى أداء وآثارا، ومجيئه كان أساسا للعمل على محوها من مجتمعه، واستبدالها بمكارم الأخلاق وحسن السيرة بين الناس، ليكون نموذجا يحتذى به لدى بقية الأمم، سيما وهو المثال الأول في حركته الإصلاحية، تمهيدا لقيامه بذلك الدور الجسيم، حتى قبل أن يوحى اليه، فقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يلقب بين قومه بالصادق الأمين، فكيف يجوز لقسم من علماء الإسلام قديما وحديثا، أن تستقر في عقيدتهم، أن يكون في شخص النبي صلى الله عليه وآله وسلم نقص أو يعتريه خلل ما؟

من المعيب على كل مسلم عرف ذلك فلم ينكره، وأشدّه عيبا من قَبِلهُ واعتقده، بل إن هناك من يتعبّد به، ويتقرّب إلى الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم بتفاصيل رواياته السخيفة، التي لو نسبت إلى مسلم بسيط لتبرأ منها، وغضب من نسبتها إليه، فكيف بالمصطفى أبي القاسم محمد صلى الله عليه وآله وسلم تنسب إليه نقائص ومساوئ، لا تليق بمقامه العالي بأيّ حال، يقبلها خالقه، ويرضى شخصه المطهّر بها؟

من الأساس الذي يرعى القيمة المعنوية العالية لخاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وآله وسلم، يجب علينا أن نتصدى لمجموع الروايات المسيئة له، بتفنيد ما جاء في متونها، مهما بلغت درجة صحة أسانيدها، فصحة السّند لا يجب أن تغطي عيب مضمون الرواية، خصوصا والمستهدف هو صفوة الله وحبيبه من خلقه.

إن الدّفاع عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يندرج في صميم الاسلام، خصوصا وهو يمثل الركن الثاني من عقيدتنا الاسلامية، وإزالة ما لحقه من أذى تلك المفتريات الباطلة، واجب علينا يتحتّم أداءه بكل قوة، يدان بسببها نقلة تلك الروايات، فلا يبقون في درجة الصحاح كما أشيع في شأنهم، وانقاد بتأثيرها اليهم جمّ غفير من الأمة الاسلامية.

فما جاء في جامع أحاديث البخاري ومسلم، ومن نحا نحوهما من الحفاظ ( الترمذي/ النسائي/ ابو داود / ابن ماجه) يدعونا الى اتخاذ موقف جاد، بردّ تلك الروايات المسيئة، والبراءة مما احتوته من افتراءات لا أساس لها من الصحة، ولا بأس هنا أن أذكر بعضها، حتى لا اتهم من طرف المتعصبين، بأني متجنّ على تلك المدوّنات وأصحابها وأتباعهم.

مع أنّ الله عظم خلق النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وزكّاه بقوله في محكم تنزيله: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (6)، إلا أن حفاظ روايات الإساءة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم رأوا غير ذلك، فنسبوا له ما خدش صورته، وحط من منزلته، كجهله بانه مرسل، وذهابه مرارا الى شواهق الجبال ليتردى منها، كلما فتر عليه الوحي (7)، شكه في عقيدة احياء الموتى(8)، وتبوّله قائما عند سباطة قوم (9)، وسحر يهودي له (10)، ونسيانه لآيات قرآنية (11)، وتقبيله لنسائه وهو صائم (12)، ومباشرته لهن حيّض (13)، وانه ما تنخم نخامة، الا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده (14)، وغير ذلك مما لا يليق حتى بأدنى المسلمين انضباطا في دينه.

ولا يمكن وصف من نسب مجمل الإساءات المنسوبة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، سوى أنه مختلّ الإيمان، مستهتر بشخص النبي صلى الله عليه وآله وسلم، مرتهن في كل عباداته، بالرجوع إلى الإعتقاد الصحيح بعصمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وإلّا فيا خيبة مسعاه عندما يلاقي النبي صلى الله عليه وآله وسلم على حوضه، فيجد أنه مخطئ في اعتقاده، »فنادوا ولات حين مناص« (15)

عقيدة أتباع أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الأنبياء عليهم السلام والنبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم، لمن اطلع عليها واعتقد بها، تمثل الوجهة الصحيحة للعقيدة الإسلامية الصافية، الخالية من أي شائبة، أدخلها المنافقون وأهل الكتاب، فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم عندنا نحن أتباع الوصية الإلهية الخالدة باتباع الثقلين

»إني تارك فيكم الثقلين، ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي. « (16) فمن التزم بوصية النبي في أتباع أئمة الهدى من أهل بيته(ع)، فقد أمن في دينه ودنياه، ومن انحرف عنهم، تلقفته أهواء سلاطين الظلم والجور، وسبل غيّ اتباعهم من فقهاء البلاط.

فقد أجمع علماء هذا النهج الاسلامي، على اعتبار النبوة لطف الهي، تجب في من تقلّدها بأمر

من الله واصطفاء منه،»ان يكون معصوما عصمة كلية، من ولادته حتى مماته، فلا تجوز عليه الكبيرة ولا الصغيرة، لا بالعمد ولا بالسهو، ولا بالتأويل ولا بالنسيان.. ودليلهم على ذلك، أنه لو عهد منه خطيئة، لتنفرت العقول من متابعته، فتبطل فائدة البعثة. « (17)

»وعرّفوا العصمة بكونها: عبارة عن قوة العقل، من حيث لا يغلب، مع كونه قادرا على المعاصي كلها، كجائز الخطأ، وليس معنى العصمة، أن الله يجبره على ترك المعصية، بل يفعل به ألطافا، يترك معها المعصية باختياره مع قدرته عليها. « (18)

عدم توحدنا في تواريخنا الاسلامية الهامة، تؤكد الخلل الحاصل في موروثنا، فما بين القول بان السابع والعشرين من رجب، هو ذكرى البعثة النبوية، وبين من قال بانها ليلة الاسراء والمعراج، ولو ان المسلمين اعتصموا باهل بيت نبيهم، لعلموا يقينا انهم اصحاب القول الفصل في الدين، باعتبارهم صفوة الله في الأمة الإسلامية، وحفظته على دينه من بعد مرحلة النبوة، وليت قومي يعقلون دورهم الهام الذي اضطلعوا به، رغم الممانعة والحصار من طرف حكام الظلم، الذين نصبوا همهم وجهودهم من أجل إفشال دور هؤلاء الطاهرين.

كمسلمين نحن مدعوون اليوم، لأن نعمل على تصحيح عقائدنا، بالعودة الى رحاب الأئمة الطاهرين (ع)من أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذين حملوا على عاتقهم مسؤولية جسيمة، تمثلت في حفظ الدين عقيدة وشريعة، من قوى التحريف المتربصة به، وقدموا من أجل ذلك أرواحهم فداء للدين الخاتم، ونعمة الهداية الى ركن ولايتهم الوثيق، لا تضاهيها نعمة، لو نزع الناس عنهم رداء التعصب المقيت، فهل آن الأوان لإعمال العقل، في مواجهة موروث سكنت فيه دسائس المضلين، حتى اصبحت سمة قبيحة ظاهرة فيه، يستغلها الأعداء بالسخرية والاساءة؟

المراجع

1 – سورة البقرة الآية 247

2 – سورة الجمعة الآية 2

3 – سورة آل عمران الآية 20

4 – سورة الانبياء الآية 107

5 – مسند أحمد مسند أبي هريرة ج14ص512ح8952

6 – سورة القلم الآية4

7 – صحيح البخاري كتاب التعبير باب أول ما بدء به الرسول من الوحي، ج9ص29ح6982

8 – صحيح البخاري كتاب التفسير سورة البقرة باب (واذ قال ابراهيم رب ارني كيف تحيي الموتى) ج6ص31ح4537/ مسلم كتاب الايمان باب زيادة طمانينة القلب ج1ص92ح151

9 – صحيح البخاري كتاب الوضوء باب البول قائما وقاعدا ج1ص54ح224/ مسلم كتاب الطهارة باب المسح على الخفين ج1ص157ج273

10- صحيح البخاري كتاب بدء الخلق باب صفة ابليس وجنوده ج4ص122ح3268/ سنن النسائي كتاب تحريم الدم سحرة اهل الكتاب ج7ص112ح4080

11- صحيح البخاري كتاب الشهادات باب شهادة الاعمى ج3ص172ح2655/مسلم كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب الامر بتعهد القران ج2ص190ح788

12- صحيح البخاري كتاب الصوم باب القبلة للصائم ج3ص30ح1928/ مسلم كتاب الصيام باب بيان ان القبلة في الصوم ليست محرمة ج3ص134ح1106

13- صحيح البخاري كتاب الحيض باب مباشرة الحائض ج1ص68ح303

14- صحيح البخاري كتاب الوضوء باب البزاق والمخاط في الثوب وباب الشروط في الجهاد والمصالحة مع اعل الحرب ج3ص193ح2731

15- نداء بلا أثر إجابة أو تغيير حال

16- مسلم كتاب فضائل الصحابة باب فضائل علي بن ابي طالب ج7ص122ح2408 / سنن الدارمي كتاب فضائل القران باب فضل من قرا القران ج4ص209ح3359/ الترمذي أبواب المناقب باب مناقب اهل البيت ج6ص125ح3788/مسند احمد مسند ابي سعيد الخدري ج17ص169ح11104

17- النكت الاعتقادية الشيخ المفيد ص37/ احقاق الحق التستري ج2ص198/ محمد رضا المظفر عقائد الامامية ص36

18- حق اليقين في معرفة اصول الدين السيد عبد الله شبّر ج1 ص147