التداعيات السياسية والإقتصادية لكورونا على المستوى الوطني : سيادة رئيس الجمهورية اللحظة خطيرة فلا تتردد ولا تنتظر..

0
6

وجهت الناشطة السياسية المقيمة في سويسرا و المتحصلة على الماستير في مقاومة الاجرام الاقتصادي ريم الخذيري رسالة الى رئيس الجمهورية قيس سعيد بخصوص التداعيات السياسية والإقتصادية لكورونا على المستوى الوطني .

وجاء في الرسالة:
أمام هذا المشهد الكارثي على المستوى الصحي والإنساني يتواصل في تونس صراع سياسي محموم لأن البلاد تعيش صراعا واضحا بين مؤسسات السلطة يخفي جملة من الصراعات ليس هذا المقال مجال الخوض فيها لأن عمقها وتمددها أصبح يهدد كيان الدولة، مما يجعل كل تونسية وتونسي مهددا في حياته أمام تفكك مؤسساتي خطير لكيان الدولة مما يجعلني أتوجه إلى سيادة رئيس الجمهورية ليكون قائد الكتيبة ولا إلى غيره بسبب الفشل المفترض للبرلمان أولا وفشل الحكومة ثانيا.

أولا- الفشل المفترض للبرلمان.
ليس من باب التجني إفتراض الفشل في المؤسسة التشريعية في بلادنا وإنما من قبيل القراءة المجردة لأداء هذا المجلس دون تبرئة سابقيه.
وحتى لا أطيل في تحليل هذا الأداء وأسبابه التشريعية بالأساس والسياسية التي يشترك كل التونسيات والتونسيين في تشخيصها بدءا بغلبة الإنتماء السياسي على الإنتماء الوطني لجانب كبير من أعضائه والانتهازية التي تطبع أداءه علاوة على تشظي كتله وأخيرا غيابه وغياب أعضائه في هذه اللحظة المفصلية في تاريخ وطننا إلا من إطلالة أحدهم من صفاقس في معركة ” زناقي ” ، واعذروني على التشبيه لأني لم أجد غيره، إثرها وتلك الطامة الكبرى قرأنا بلاغا للمساندة صادر عن مكتب مجلس النواب الذي ظننا طيلة هذه المدة وكأنه دخل في حجر بل في تحنط صحي، هذا المكتب الذي كان أحرى به أن يبادر بعرض التفويض التشريعي على السلطة التنفيذية دون إبطاء وانتظار طلب منها.
مع شديد الأسف، فشل هذه المؤسسة مفترض لأن رئيس مجلس النواب لم يتجاوب مع دعوة رئيس الحكومة لتفويضه التشريع منذ أن أعلن عن إجراءات مواجهة الوباء، وإنما أطلق لسان رئيس ديوانه ليجيب بما يعني الرفض، مما أدى برئيس الحكومة إلى التصريح رسميا بطلب التفويض متأخرا يوم 24 مارس 2020 وأرفقه بإضافة انفتاحه على كل التغييرات المدخلة على نص التفويض.
سبب آخر لهذا الفشل المفترض هو أن التفويض التشريعي للسلطة التنفيذية يقتضي أغلبية ثلاثة أخماس أعضاء البرلمان وهذا عسير المنال في طبيعة البرلمان والحالة السياسية للبلاد والصراعات الواضحة والخفية.
إن فشل هذه المؤسسة التشريعية في تركيبتها زرع بذوره وأورثه للحكومة التي أنتجها وهي تشكو نفس العلل السياسية.

ثانيا- فشل الحكومة.
مع الأسف فشلت الحكومة في لحظة كانت فيها أمام فرصة للنجاح والتخلص من بوادر الفشل التي حملتها عند توصلها إلى ثقة البرلمان والقوى السياسية التي رشحت تركيبتها.
كنت أول من يسره هذا النجاح لكن عند الإطلاع على الإجراءات الاقتصادية المعلنة من قبل الحكومة لا يمكن الإطمئنان لها لأسباب مختلفة وعديدة وسوف أكتفي في هذا الجزء من المقال بثلاثة أسباب على سبيل الذكر لا الحصر.
-الإجراء الأول المالي المتعلق بنسبة الفائدة المرجعي
في هذا السياق وقع الإعلان عن تخفيف هذه النسبة بما قدره مائة نقطة، ووقع تقديم هذا الإجراء على أنه مجهود مشكور للحكومة في هذا الظرف الإقتصادي العصيب، غير أن الحقيقة مغايرة تماما.
إن التعديل الأخير هو جزء بسيط من الحق المسلوب من التونسيين.
هؤلاء التونسيين والتونسيات اللذين وقع تفقيرهم خلال هذه العشرية فالتجأوا إلى التداين فارتفعت كتلة الإقتراض للاستهلاك لتصل سنة 2017 الى ما قدره 22،5 مليار دينارا ( ما يعادل 7،5 مليار أورو ) بنسبة إرتفاع تقدر ب%110 عما كانت عليه سنة 2010.
إذن يكون ظاهر تعديل نسبة الفائدة المرجعي بمائة نقطة اجراءا شعبيا محمودا مثلما تريد إيهامنا به حكومة السيد الفخفاخ، غير أنها تخفي عنا حقيقة الترفيع الجنوني لهذه النسبة المرجعية إبان حكومة يوسف الشاهد.
بالفعل شهدت هذه النسبة ترفيعا في خمسة مناسبات خلال مرور الشاهد بالقصبة، إذ وقع الترفيع في نسبة الفائدة المرجعي إلى %4،8 خلال شهر ماي 2017 ثم إلى %5 لترفع من جديد في 5 مارس 2018 الى %5،75 ثم إلى %6،75 بتاريخ 13 جوان 2018، وفي 19فيفري 2019 وقع الترفيع فيها من جديد لتبلغ %7،75 .
هذا النسق الجنوني للترفيع هو نهب لنسبة %90 من الشعب التونسي الذي أجبر على التداين ليعيش، ويكون تعديلكم الأخير إذن جزءا بسيطا من تفقير ممنهج ارتكبته حكومة يوسف الشاهد وهو حليفكم اليوم في الحكم وتتسترون على ما أصاب به بلادنا.
سوف تواجهون موقفي هذا بمقولة إستقلال البنك المركزي، هذه ” الحدوثة ” مردودة عليكم لأن القرار في ذلك كان سياسيا فرضه صندوق النقد الدولي، إذ صرح وبكل وضوح وبصيغة آمرة مديره العام المساعد Mitsuhiro Furusawa خلال شهر أكتوبر 2018 في تقييمه لتونس بأن ” قيودا مالية جديدة ضرورية للحد من التضخم ” وبانه ” يجب الترفيع أكثر في نسبة الفائدة المرجعي لتفادي المزيد من غلاء الأسعار “.
كانت هذه الوصفة ” منامة عتارس ” لأن حكومة يوسف الشاهد وجدت نسبة إرتفاع الأسعار في 2016 في حدود %3،9 لتقفز الى %9،3 .
سيدي رئيس الحكومة أنتم بصدد مغالطة الشعب التونسي ولا ثقة لي في إجرءاتكم لإنقاذ الإقتصاد الوطني ولا أرواح التونسيات والتونسيين.
– الإجراء الثاني ويهم ضريبة الأداء على القيمة المضافة TVA.
لا بد من التسليم فيما يتعلق بهذا الإجراء سيدي رئيس الحكومة أن هذه الضريبة غير المباشرة هي في تونس من أعلى النسب في العالم العربي بنسبة تستقر في حدود %19 وتتساوى بذلك مع ألمانيا وتقترب من فرنسا وبريطانيا أين النسبة في حدود %20.
كل ذلك بنسب مرجعية تتراوح بين %10 للنسبة الدنيا Taux réduit و%25 للنسبة العادية Taux standard.
هذا الشطط في هذا الأداء ترافقه غرابة في التصريح والدفع وبطئ في الإسترجاع يجعل سيدي رئيس الحكومة ما تعتبرونه إجراءات للإنقاذ ما هي إلا إصلاحات مستحقة تريدون تمريرها في هذا الظرف الخطير الذي يهددنا بالموت ويستهدف إقتصاد البلاد بالإنهيار ولذلك فإنني لا أطمئن للإجراءات التي اتخذتها حكومتكم.
– الإجراء الثالث المتعلق بإعادة تقييم الاصول العقارية للشركات.
هذا الإجراء الأغرب من سابقيه، أنا على يقين من أنه من قبيل خدمة لوبيات بعينها لأنه وبكل بساطة من قبيل التهرب الضريبي، إذ أن تمكين الشركات من تضخيم غير حقيقي لعناصر من أصولها المبنية او غير المبنية من مكونات الإيجابي من رأسمالها ” Actif ” المقومة ماليا يكون بمثابة الإفتعال في موازناتها وفي دفاترها المحاسبية وفي ذلك خطر على سلامة الإقتصاد الوطني ومصداقية النسيج المحاسبي لهذه الشركات يصل إلى تكييف ذلك من قبيل الإثراء غير المشروع، لكن تحت غطاء قانوني، هذا علاوة على أنه سوف يزيد في تكلفة الخسائر التي سوف تتحملها المجموعة الوطنية عندما تحين ساعة التعويضات لهذه الشركات عند إفلاسها وهو ما لا أتمناه سيدي رئيس الحكومة لكن هذا الإجراء الغريب شاذ بكل المقاييس عن المجهود الوطني الذي يفرض على الجميع التضحية وليس المناورة لإنتهاز الفرصة لإخفاء الحقيقة أو تجميلها.
سيدي رئيس الحكومة ما تعتبرونه من قبيل الإجراءات التضامنية في هذا المناخ الكارثي هو خدمة خطيرة غابت عنها كل مقومات الشفافية لذاك لا أثق أن تكونوا قائد المواجهة.

لكل هذه الأسباب فإنني أدعو سيادة رئيس الجمهورية في هذه اللحظة المفصلية في تاريخ وطننا الغالي تونس إلى تحمل مسؤولية قيادة كتيبة الإنقاذ.
سيادة رئيس الجمهورية أنتم صاحب الشرعية الإنتخابية المباشرة، أنتم خيار الشعب التونسي او بالأحرى أغلبية قياسية منه تجعلكم محل ثقة لهذا السبب أولا.
سيادة رئيس الجمهورية إن شرعيتكم تدعمها نظافة سريرتكم وخلو خطابكم من المخاتلة والخيانة والإنحياز السياسي او الإنتماء لأحد اللوبيات المعلومة أو الخفية، وهذا مهم في هذا الظرف وأنا على ثقة أن هذا الأمر لا يخالفني فيه غالبية الشعب التونسي.
سيادة رئيس الجمهورية إن الخصومة التشريعية في متعلقات وحدود التفويض البرلماني سوف تكون سياسية وعلى خلفية مصلحية على وقعها سوف يضيع الوطن. فهذا رئيس الحكومة اليوم 25 مارس في مشروع القانون المتعلق بطلب التفويض له لإصدار المراسيم يطلب إحالة أغلب الصلاحيات التشريعية الواردة بالفصل 65 من الدستور إليه والحال أن البلاد في حاجة لقانون طوارئ صحي يخول التدخل الفوري و العاجل للحيلولة دون تفاقم الحالة الوبائية للمرض وتعبئة جميع الوسائل المتاحة لحماية حياة الأشخاص كما يسمح بالتفويض للحكومة في اتخاذ مراسيم ذات طابع إقتصادي أو مالي أو إجتماعي تقتضيه الضرورة ويكتسي صبغة الإستعجال ويساهم بكيفية مباشرة في مواجهة الآثار السلبية المترتبة عن الإعلان عن حالة الطوارئ الصحية، وهذه أصالة مقتضيات وروح الفصل 70 من الدستور ” ..أن يفوض بقانون ولغرض معين إلى رئيس الحكومة إصدار مراسيم…”. وما خفي على رئيس الحكومة او ما يحاول أن يتجاهله هو والبرلمان الذي تعهد وكلف إحدى اللجان للنظر في هذا المشروع هو أن البلاد اليوم في حالة إستثنائية وأن رئيس الجمهورية أعلن هذه الحالة منذ أيام.

سيادة رئيس الجمهورية اللحظة خطيرة فلا تتردد ولا تنتظر في منتصف الطريق، لقد توليتم إعتماد مقتضيات الفصل 80 من الدستور بمناسبة إعلان حالة حظر الجولان في الأمر الرئاسي عدد 28 لسنة 2020 المؤرخ في 22 مارس2020، وكنتم على حق وفي انسجام كلي مع مقتضياته ولفظه، لأن الوطن اليوم يعيش ” في حالة خطر داهم مهدد لكيان الوطن وأمن البلاد…” ولكم فقط خول هذا الفصل بوضوح إعلان هذه الحالة الاستثنائية و خولكم ان .. ” يتخذ التدابير التي تحتمها تلك الحالة الاستثنائية”.
سيادة رئيس الجمهورية لا بد ونحن في حالة حرب مثلما أعلنتها شعوب العالم أن نخوض هذه الحرب وراء قائد واحد، يكون واحدا ونثق فيه.
انتم يا سيادة رئيس الجمهورية هذا القائد لأنكم منتخب وهذا على الأقل ما يميزكم ويعطيكم الشرعية المستحقة فكونوا الملك الدستوري او قائد الأركان، لكم الخيار فالظرف عصيب والساعة تقتضي قاعة عمليات موحدة تحت قيادة واحدة أنتم لها فأعزموا وعلى الله التوكل.