التعصّب والطائفية يغيّبان التراث العربي ويعاديان الفن المعاصر…بقلم السيد شبل 

0
87

العقلية السلفية معادية لعموم التراث، أي عكس الفكرة الشائعة، فهي عندما تنظر للماضي، تنتقي ما يناسب مزاجها السوداوي وعقليتها الظلامية ونهجها الطائفي، وهي حتماً متآمرة وغير أمينة، والسبب أنها تقيّم الناس من ثقب ليس على أساس نفعهم العام. كما تعرض سيرتهم مسبوقة بالغرض في المدح أو الذم، وهذا يدفعها للتلفيق والقص واللصق.

وتثبت التجربة أن النهج الطائفي والمتشدد لجماعات “الإسلام السياسي” قد دفعها على الأغلب لتهميش ومعاداة العديد من روّاد الحضارة العربية ما بعد ظهور الإسلام، فهذه الجماعات تقوم بإخضاع علماء وفلاسفة مثل (ابن سينا والخوارزمي والفارابي وابن رشد وابن حيان والكندي) لمعاييرها المذهبية، وتستخدم آراء هؤلاء المفكرين في الدين باباً إلى إدانتهم وتفسيقهم وربما تكفيرهم، بما ينتهي لتلطيخ سمعتهم وصرف الناس عنهم.

وتُعبّر تلك النظرة السلبية تجاه التراث العربي الزاخر والمتنوع عن نفسها بجلاء في موقع مثل «إسلام ويب» التابع لوزارة الأوقاف القطرية، الذي يمتلئ بهذا النوع من الأحكام وبما يدفعنا إلى التساؤل: ما الذي يبقى في التركة الحضارية عندما -وعلى سبيل المثال- “تُسفّه” إخوان الصفا، و”تدين” أبا العلاء المعري، وتُهمّش أفكار المعتزلة، وتعادي الحلاج، و”تُشيطن” أبا الفرج الأصفهاني، وتغتال سيرة أبرز العلماء كما تقدم؟

إن السلفية المعاصرة، في جوهرها، حركة تخاصم التراث وتكرهه، لأنها تنفي معظمه، وتختار منه خطاً معيناً، وتعتبر الصلاح حكراً على هذا الخط، ولأنها تحت «شعارات التقوى والفضيلة» قد تدين عادات أجدادنا في أفراحهم التي كانت تشهد رقصاً مختلطاً وأغاني زاخرة، ناهيك عن جريمة القوى السلفية الأكبر المتمثلة في الدعوة إلى هدم الآثار سواء أكانت تنتمي إلى حضارات قديمة أو ذات طابع ديني (إسلامي، كما حدث من تفجير للأضرحة الصوفية).

إن الأمر لهو في غاية البساطة، ويتمثل في المعادلة التالية: لا يمكن لشخص متعصب يُحرّم الموسيقا والغناء والرسم اليوم أن يحتفي بموسيقيين من أمثال إسحاق الموصلي وزرياب في القرنين الـ8 والـ9 الميلاديين، أو رسّامين مثل يحيى الواسطي في القرن الـ13 ميلادي، بل هو سيعمل على طمس تلك الأسماء، وتشويه سيرتها، وبهذا يخسر التراث العربي زخمه، بما ينتهي لخدمة أي طرف خارجي يحاول إدانة العرب أو تصويرهم بأنهم “متعصبون ومعادون للعلم والفلسفة والفن والتنوع على مر تاريخهم”.

من الزاوية ذاتها لا بد أن تلحظ تحريض أصحاب الأفكار الرجعية المتشددة على الفنانين المعاصرين، واستخدامهم الدين أيضاً لهذا الغرض، وهنا يجب تأكيد أن الشخصيات ذات الفكر المنغلق بطبيعة تكوينها تعادي الحياة وتركز على الموت، لذا فهي تكره البهجة والبسمة وتميل إلى الكآبة، وهذا ما يدفعها نحو العداء للفن.

والواقع يشهد بأن قطاعاً من الجمهور وبسبب هذا التحريض يعيش حالة عجيبة من التناقض، فهو من جهة وبحثاً عن المتعة أو التسلية أو القيمة يشاهد المسلسلات والأفلام ويرغب في التقاط الصور مع أبطالها أو يشعر بالزهو لو سكن إلى جوارهم، لكنه من جهة مقابلة يحمل مشاعر ازدراء تجاههم!

إن الحملة على الفنانين العرب ومن بينهم المصريون مستمرة منذ السبعينيات، وتصدّرها بعض المشايخ في مصر مثل عبد الحميد كشك، ونتجت عن تلك الحملة آثار شديدة السلبية على الصعيد القومي، لأن انهيار الإنتاج الفني العربي لا يؤدي إلى توقف المشاهد عن متابعة التلفاز أو الذهاب إلى السينما، غاية ما في الأمر أنه سينتقل لمتابعة الفن الأمريكي، كما شاهدنا جميعاً اختراق الدراما التركية للكثير من الشاشات العربية بالتزامن مع تراجع معدلات ظهور المسلسلات العربية على الشاشات.

ختاماً يجب تأكيد أن النشاط السينمائي والدرامي العربي -كما أي نشاط إبداعي- فيه الرديء والمتوسط والجيد، وأن إصلاح العيوب يستدعي دوراً أكبر من الحكومات حتى لا يقع أسيراً لأهواء منتجي القطاع الخاص، لكن القوى الرجعية تركّز على الرديء لأنه يكون مدخلها لاغتيال وتلويث سمعة النشاط الفني ككل، لكن في المقابل ماذا قدّم المتعصبون سوى تلوين الدنيا بلون السواد، ونشر الخرافة والكراهية ضد أي إنسان يعتنق ديناً أو مذهباً مخالفاً لهم، وتفكيك أي بنية اجتماعية قائمة على المواطنة والحداثة؟

 

كاتب من مصر