تدبّر طالب التيسير في فضاء القرآن الكريم: تدبر في سورة يوسف (عليه السلام)

0
104
اللوحة للرسام المصري محمد حجي من ديوانه التشكيلي رسام يرسم القرآن

د. نعمان المغربي: (مختص في علوم الأديان المقارنة، جامعة الزيتونة – تونس)

سورة الدولة اليوسفية

(دولة العِبْرة ودولة التمكين التمهيدي بالتأويل والصبر)

 

 

§      الآيتان المركزيّتان:

1.    ﴿لَقَد كانَ في قَصَصِهِم عِبرَةٌ لِأُولِي الأَلبابِ ما كانَ حَديثًا يُفتَرى وَلـكِن تَصديقَ الَّذي بَينَ يَدَيهِ وَتَفصيلَ كُلِّ شَيءٍ وَهُدًى وَرَحمَةً لِقَومٍ يُؤمِنونَ: (يوسف، 111).

2.    ﴿قُل هـذِهِ سَبيلي أَدعو إِلَى اللَّـهِ عَلى بَصيرَةٍ أَنا وَمَنِ اتَّبَعَني وَسُبحانَ اللَّـهِ وَما أَنا مِنَ المُشرِكينَ: (يوسف، 108)

 

 

§      موضوع السّورة الكريمة:

–      إنه شروط الدولة العُبُورية والاجتماع الانتقاليّ الممهّد للدولة المهدوية – الصالحية.

–      إنه  العِبْرة التدريجية (الانتقال التدريجي) إلى الاستعصام الفردي والجماعي بَدَءَا بمركزيةِ المعاشيِّ في التمكين للمستضعفين.

–      ونحن مطالبون بقَصَصِ التجربة اليوسفية (أي باقتفاء برهانها الجوهري) حتى نكون من أهل الألباب في الاستعصام الفردي والسياسي والمَدَني بالبرهان والصديقية  القائدة.

 

§      المقولات المركزيّة:

–  اليوسُفية:  – هي المَسْعَى الكَدْحي – المُجَاهَدِيُّ من أجل تمكين المستضعفين.

–  هي النَّفْسُ الاستعصامية الكادحة باتجاه المشيئة الرحمانية – الرحيمية على الاجتماع البشري.

–  هي القدرة المُجَاهَدِيّة على تأويل وأحاديث الراهن والمستقبل.

 

–       دولة العِبْرة/دولة العبور: العِبْرة: هي في اصطلاح سورة يوسف هي العبور التدريجي من دولة «التفرقة» و«الطاغوت» إلى دولة «الألباب والتوحيد الاجتماعي». (سورة يوسف، الآية 111). هي الدولة اليوسفية. هي دولة التمهيد لظهور الدولة المهدوية – الصالِحِيّة. هي دواء الدَّاب تمهيدًا لدولة الامتلاء والوراثة المكتملة. إنها مشروطة بمركزية المعاش العَدَالي وبتكرّس «الأمْرِ الجامِع».

–  التمكين: هو قدرة المشيئة الأكثرية للناس على الإمساك بخطوط التوجيه السياسي والانتحالي والنفسي وبخزائن المَعاش والبيئة، متطابقةً مع المشيئة والرحمانية-الرحيمية.

 

–  الدَّابُ: (مقولة في علم المَعَاش):

هو كَسْب الأُمَّة المشيئي-التمكيني قائمًا على «الاستعصام» (رِبْعة المستضعفين أو الأكثرية أو الجميع على خزائن الأرض)، وعلى «البَصيرة» و«المَسْعَى» (=المشروع)، و«التّفضيل» (=البرامج الحَوْليّة)، و«التَّقديم» (=الادخار المستقبليّ الدقيق).

 

  1. من هو «اليُوسُفُ»؟

«اليُوسُفُ» في اللغة السريانية الآرامية[1]، وهي إحدى لغات اللسان العربي[2]، هو «الوَسْفُ» في اللغة المُضَرية – القرشية، وهو التشقق في فخذ البعير وعجزه عن السمن ثم يعم فيه، وهو الإخصاب والسمن وسقوط الوبر لينبت الجديد[3]. فهو بداية السنوات السمينة بعد الإعجاف البشري الذي دام قرونا إذ يكون في عجز السنوات العجاف قبل أن يعم الأرض والزمان، وهو تأسيس الآماد العَدَالية-النِّسْبِية ببصيرة تجديدية للاقتراب من عصر الناس المهدوي – الصالحي .

و«يوسف» اسم علم مذكر ممنوع من الصرف. ويذكر ابن منظور في معجمه الموسوعي المشهور «لسان العرب» أنَّ فيه ثلاث لغات: «يُوسُفُ ويُوسَفُ ويُوسِف (بضم السين وفتحها وكسرها)، وحكي فيها الهمز أيضاً (يؤسف)»، وأشهر من تسمّى به نبي الله يوسف بن يعقوب (عليهما السلام). واسم (يوسف) اسم مشترك في اللهجات العربية الشامية كالكنعانية والآرامية والعبرانية، وقد يعني بالكنعانية (حزين).

فاليوسُفيّة في جوهرها هي (الهُدَوِيّة) أو المهدوية بما هي تصديق الذي بين يديه (من محمدية) وتفصيل كل شيء (باعتبار تغير الأزمان والأماكن) و«هُدًى» (أي مهدوية) ور«حمة» (أي يعقوبية بما أن العقب المطهر هو قائد العبرة) لقوم يؤمنون. (يوسف، 111).

  1. خصائص الفرد اليوسفي المستعد للعِبْرة والمشارك فيها:

اليوسُفيّ هو الذي يمارس «قَصَصًا» على أطروحة يُوسُفِ أمته المحمدية، وهو أبو الصالح، أبو الصالحين اليوسفيُّ مثالا لِلْمجتبين، فهو المقتدي بيوسُفِ إبراهيمنا (أي «مهديّ» سيدنا محمد [ص]). فلكل دورة رساليةٍ إبراهيمُهَا (أبوها الرحيم) ويوسُفُها الخاصَّان بها..

فيوسُفُنَا اجتباه ربه ككل يوسف بكل دورة تاريخية: ﴿قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ قال تعالى عن كل يوسف: ﴿وَكَذلِكَ يَجتَبيكَ رَبُّكَ (يوسف، 6)؛ وعلينا «قَصَصُهُ» ﴿نَحنُ نَقُصُّ عَلَيكَ أَحسَنَ القَصَصِ (يوسف، 3). ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ﴿مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ.

اليوسفي مهتم بشكر نعمة النبوة ووراثتها الصديقية فيمارس «القصَص» على آثارها وسَوْقها، ولذلك يستهدي آل يعقوب الدورة الرسالية المحمدية أي آل الصديقين التسعة المنحدرين من العقب الحُسيْني وهم في الحقيقة مشتركون في العقب الحَسَني نسبا ووراثة للصديقية المحمدية بإبراهيمها (أبيها الرحمة للعالمين صلى الله عليه وآله) وسارتها العالمية (الزهراء التي تسر كل الكون بنورها والسر المستودع فيها عليها السلام وإسحاقها (الساحق لأعداء الدين الذين أرادوا القضاء عليه بعد إلتحاق رسول الله بالرفيق الأعلى عليهم السلام جميعا) واليوسف الأخير له مثوى ﴿مَعاذَ اللَّـهِ إِنَّهُ رَبّي أَحسَنَ مَثوايَ[4] (يوسف، 23).

واليوسفي مرتاض على إتيان الحكمة والبرهان والعقل واللب ليبتعد عن المَعاصي والشيطانية والكلبيّة المحضة في ثورته: ﴿وَهَمَّ بِها لَولا أَن رَأى بُرهانَ رَبِّهِ… (يوسف، 24) فلولا أنه رأى برهان ربه طيلة سنوات حياته الفارطة لهَمَّ بالمعصية؛ أي أن مجرد الهَمَّ والابتداء بالمعصية لا يمكن لليوسفي أن يكون له، فهو من المعنيين بقوله تعالى: ﴿كَذلِكَ لِنَصرِفَ عَنهُ السّوءَ وَالفَحشاءَ إِنَّهُ مِن عِبادِنَا المُخلَصينَ (يوسف، 24)، وليس لنصرفه عن السوء والفحشاء. ولذلك يقال في الدعاء: «اللهم إنا نسألك من العصمة دوامها!».

و«البرهان» هو نوع من العلم المكشوف واليقين المشهود الذي تطيعه النفس الإنسانية طاعة لا تميل معها إلى معصية أصلا[5]. وهذا الارتياض يجعل الإنسان بعيدا عن الجَهْلِيَّة والجاهلية، فالجهل هو السبب في الهَمّ بالمعصية والصبو إليها (– النفاثات في العقد ومغريات الشياطين–): ﴿… وَإِلّا تَصرِف عَنّي كَيدَهُنَّ أَصبُ إِلَيهِنَّ وَأَكُن مِنَ الجاهِلينَ (يوسف، 33). فكلّثورة اجتماعية ناجحة إنما ىتحتاج إلى صَرف كيد النزوعات إلى المعاصي والجاهلية والجهْلية، بالانجاز إلى البُرْهانية فالعِرْفانية.

فالبرهان والارتياض عليه يبدآن بالإبعاد عن المعصية، وينتهيان بالمنع عن الميل والصبو والهمّ[6] مكونَيْن ملكة الاستعصام. وهي ذات درجات كثيرة، يقول رسول الله صلى الله عليه وآله: «اللهم أرني الأشياء كما هي!». فاليوسفي ذو يقين مستعين بالله تعالى والإستعانة به تقتضي الإستعانة «بأنباء الغيب» والأسباب الإجتماعية والمادية. فاليوسفيُّ يبكي على اليوسُفِ، ويتحسس من يوسُفِ العصر وأخيه. واليوسفيّ يدعو ويقول للذي ظن أنه ناجٍ ﴿اذكُرني عِندَ رَبِّكَ (يوسف، 42 ).

اليوسفيّ ذو سَوْق[7]، ويؤطر سَوْقَه ضمن الدورة الرسالية المحمدية التي سائقها الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وشهيدها الأخير.

الشهيد/الشاهد الأخير هو يوسف مهيمنٌ على المراحل التي تسمح بالعِبْرة إلى مرحلة ظهوره على الدين كله بالإسم المحمدي الجامع، وهو يجعل الإِمَّة[8] المعاشية ركيزة أوَّليةً في مشروعه العِبْرِيّ: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ(3) (سورة الماعون). الحَضُّ على الطَّعَامِ العامّ هو الحضّ على حقّ الارتزاق وأسبابه، أمّا «الإطعامُ» صِرْفًا فهو «المَيْسَر» أي احتكار الكنز العام/الطعام العامّ وجعل الأكثرية تَبعًا للمؤسِرين.

واليوسفي «مخلِص» وقد يصل إلى درجات «المخلَصين». والإخلاص هو تصفية العمل من كل شوب. وهو على درجات. فالدرجة الأولى منه إخراج رؤية العمل من العمل، والخلاص مِنْ طلب العوض على العمل، ومِن النزول عن الرضا بالعمل.

وفي ضوء هذه الدرجة لا بد للإنسان العامل من عدم النظر إلى عمله، وعليه أن يُخَلِّصَهُ من طلب العوض والجزاء وأن ينزل عن الرضا بعمله، لأن هذه الأمور تجعل العمل مشوبا غير خالص. وهذه أولى درجات الإخلاص[9].

واليوسفي مرتاض على الصبر والمصابرة، فرغم طول المثوى (يوسف، 23) يبقى اليوسف شاكرا لإحسان الله تعالى معه قائلا: ﴿أَنتَ وَلِيّي فِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ (يوسف، 101). وعلى هذا السبيل ينبغي أن يفعل اليوسفي ولو درجات قليلة محدودة فالله تعالى يبارك في القليل.

ومن أهم ما يصبر عليه اليوسفي حسد الآخرين له (وخاصة إخوته كالسلفيين التيمويين، والشيطان الأكبر والقوى الطاغوتية. فيحسدونه على جمال سَوْقِهِ وجمال آبائه وجمال أفعاله ذات المدى المُفْردي وذات المدى الإجتماعي والتاريخي. وهو شكور؛ وأفضل أعمال الشكر هو كسب المال الحلال والتصدق منه، وبثّ العلم في الناس، وكذلك العمل بذلك العلم. قال الإمام الصادق عليه السلام: «مَنْ تعلم وعلم وعمل بما علم دعي في ملكوت السماوات عظيما»[10].

وتلك العظمة تسمح بالانتصار في مرحلتي التمكين باسم يوسُف الدورةِ الرسالية المحمدية: ﴿رَبِّ قَد آتَيتَني مِنَ المُلكِ (يوسف، 98). فالله تعالى هو الذي يؤتي اليوسفيَّ «المُلْك». وهو يطلب أن يكون على المَعَاش أساسا فالقضية الأولى والأساسية والعاجلة هي المَعَاش (أي المجال «الاقتصادي»)… وقد تكون، بل كانت هذه الوظيفة المَعَاشية هي الباب والمدخل الرئيسي للغاية الكبرى ألا وهي نشر التوحيد الاجتماعي ﴿عَلى خَزائِنِ الأَرضِ (يوسف، 55). وهذا الطلب لا يكون إلا بالشروط الإلهية الدقيقة للتمكين العِبْري/ للتمكين العُبوريّ.

 

  1. ما هو التمكين؟

«التمكين» هو وسيلة وليس هدفا. فالهدف هو تحقيق «المشيئة الإنسانية» أي الإرادة مطلقة (متحررة) من الإملاءات الشيطانية والأنانية، وتحقيق الرحمة الإلهية بواسطة ذلك التمكين ﴿كَذلِكَ مَكَّنّا لِيوسُفَ فِي الأَرضِ يَتَبَوَّأُ مِنها حَيثُ يَشاءُ نُصيبُ [بذلك التمكين] بِرَحمَتِنا مَن نَشاءُ (يوسف، 56) فتصبح الأرض بيئة رحيمية يتبوأ الإنسان (المؤمن) منها بالمشيئة والرحمة الإلهية، بعد أن كانت بيئة رحمانية فحسب، إذ تتطابق «المشيئة الإنسانية» بالمشيئة الإلهية:  ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّـهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (التكوير، 29).

لا يكون «التمكين» اليوسُفي إلا بطلب من الآخرين، أي الناس بأكثريتهم الكبرى، فيصبح «الصِّدّيق» (أو الحركة الاجتماعية التي تجعل «الصِّدّيق» مربيها/«رَبّها») مَطْلَبًا للأُمَّة والملأ الثَّقِف: ﴿وَقالَ المَلِكُ ائتوني بِهِ أَستَخلِصهُ لِنَفسي. فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ اليَومَ لَدَينا مَكينٌ أَمينٌ (يوسف، 54). فالتمكين – مقولةً قرآنيةً – يعني الإتيان من «المُلْك» بإشراطات إلهية معروفة مسبقا في علم المُجاهِد ومنها «الأمانة» (الآية 54) وحفظ «خزائن الأرض» (أي إمكانياتها البيئية) (الآية 59)، والعلمية أي القدرة على تبْيِئة خزائن الأرض تبيئة إنسانية صالحية جديدة عُقَلاَئِية (الآيات 55 و56 و3). وتلك «التبيئة مِن الأرض» تتطلب قدرة «تأويلية» أي القدرة على توجيه الخزائن والحاضر والإمكانات البشرية المتاحة نحو الصالحي، وبمعنى آخر على إيجاد مصاديق الإسلام بإبداعية نابعة من فهم «أنباء الغيب» (الآية 102) و«أحاديث»[11] الواقع. فالإتيان من المُلْك إلهيًّا (لا شيطانيا) لا يكون إلا بتعلمٍ من «تأويل» أحاديث الزمان البشري الحاضر اعتمادا على «أنباء الغيب» الموحاة ﴿ رَبِّ قَد آتَيتَني مِنَ المُلكِ وَعَلَّمتَني مِن تَأويلِ الأَحاديثِ [اعتمادا على تجليات الفطرية] فاطِرَ السَّماواتِ وَالأَرضِ(…) (101) ذلِكَ مِن أَنباءِ الغَيبِ(102) (يوسف، 101 و102).

كما أن التمكين إلهيا هو إتيان من الملك منبن على «مَسْعًى» (مشروع) بدأ مع الرسول المؤسس للدورة الرسالية المحمَّدية، لينتهي بإلحاق الأرض بالصالحيّة الظاهرة على كل الأرض، بل كل الكون، فهو لا يكون إلا إذا كان مرتبطا في ذهن المتمكن بالمؤسس المحمدي صلى الله عليه وآله، وبالصالحين (ورأسهم «أبو صالح» أو« أبو الصالحين»، عليه السلام): ﴿أَنتَ وَلِيّي فِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ، أي في المرحلة الدنيا من «المسعى»/المشروع وفي المرحلة الآخرة من دولتي العِبريّة (الاِنتقالية): ﴿تَوَفَّني مُسلِمًا وَأَلحِقني بِالصّالِحينَ (يوسف،101)، أي اجعل حلقات مشروعي/مسعاي متوافية، حلقةً تكمِّل الأخرى، وتنهدُ للالتحاق بالأمد الصالحي – المهدويّ، – وذلك كمال «الكَدْح» الإسلامي-التاريخي.

فالتمكين لا يكون إلا ضمن تأويل سَوْقيّ، أي معه ﴿سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (سورة ق، 21)، وإلا فسيكون دورانا في حلقة مفرغة، ومزيدا من إضاعة وقت البشرية في العبث التاريخي والعمل غير العُقَلاَئِي (=غير «الألبابي»). فهنالك فقط يسجد الصِّدّيقون الثلاثة عشر لمَسْعانا (محمد صلى الله عليه وآله، شمس الكواكب التي يجب أن نؤوِّلَهَا، ومعه قمره علي بن أبي طالب، بمعنى أنه وزيره الذي ينقل نوره، وكذلك الكواكب الإحدى عشر عليهم السلام). وسجودهم لليوسف (أي الكوكب الثالث عشر باعتبار أن أم أبيها هي الكوكب المركزي بما هي السر المستودع في كل الكواكب الأربعة عشر) إنما هو الانحناء التقديري للثمرة الكبرى النهائية[12].

ولكن تمامية الرؤيا ينبغي عدم البوح بها تفاديا لكيد الإخوة ﴿لا تَقصُص رُؤياكَ عَلى إِخوَتِكَ فَيَكيدوا لَكَ كَيدًا (يوسف، 5).

لن يكون التمكينُ إلاّ بتكرّس المشيئة الأكثرية للمستضعفين. أو الناس، وإمساكها بخطوط التوجيه السياسي، والمَعَاشي، والانتحالي، والبيئي (المهيمن على خزائن الأرض)، فيكون «الأمْرُ الجامِع» (سورة النور، الآية 62) أي السلطة الجماعية هي النمط السياسي السائد، كما في دولة المدينة (= دولة «الصحيفة»).

ويقوم التمكين على مركزية المَعَاشيّ. وهذا المَعَاشي. التمكيني قائم على «بَصيرة» (= إِمَّة المَسْعى، وهي إِمَّة المَشيئة الإنسانية-الماعُونية)، و«تفضيلٍ» (أي البرامج التفضيلية لسَوْقالمَسْعى)، و«دَأب» (= الكسب المَشيئي-التمكيني).

  1. شروط الدولة اليوسفية\الإنتقالية (العابرة أو ذات العِبْرة، أو العِبْريّة):
  • ضرورة فهم أنباء الغيب، أي الأبعاد الجوهرية للإسلام ومن ثمة علم تأويلها، أي القدرة على فهم مصاديقها وإيجادها من قبل أن تأتينا (يوسف، 37).
  • ضرورة تأويل الأحلام الثورية للناس، سواء كانوا عاصري الخمر (موالي الملك الطاغوتي الذين يسقون ربهم مِلّة وإعلاما ومالا ليواصلوا حكمهم (يوسف، 41) أو حملو فوق رؤوسهم خبزا أي ملة إسلامية، (ملة الذين يعقلون مبشرين بها الناس والملأ ومنذرين حتى تأكل الأرواح البشرية بفطرتها، أي الطير منه) (يوسف، 36 و41) فمن الضروري أن يمارس الرسالي دعوة نقدية هادئة للطائفتين حتى يرتقوا بمقامهم الإنساني، وحتى تستعد طائفة الخبز\الخير لاحتمال الاضطهاد «الصلب» حتى لا تصبح فتنة الاضطهاد سببا للتراجع بل وسيلة تضحوية تجعل الناس أكثر انتباها للخبز الذي في رأس الأخيار فتأكله ومن ثمة تأخذ هي بثأره مزيلة الطاغوت.
  • هو إتيان «من الملك» وليس «إتيان مُلكٍ» أي ليست دولة يديرها السُّلَيْمانُ/المَهْدي. فهي دولة انتقالية لا شاملة. ومخالفة ذلك خطأ تاريخي.
  • ضرورة جعل وحدة المسلمين ووحدة المستضعفين عموما (مسلمين وغير مسلمين) ركيزة من ركائز السَّوْق الإنتقالي/التغييري تدريجيا، فيوسف عليه السلام يخاطب «الاتجاه الخبزي» و«الاتجاه الخمري» المعاقبيْن بالسجن لعلهما ينخرطان في الصياغة اليوسفية: ﴿يا صاحِبَيِ السِّجنِ: أَأَربابٌ مُتَفَرِّقونَ خَيرٌ أَمِ اللَّـهُ الواحِدُ القَهّارُ(يوسف، 39).

و«الرب» في مقولات سورة يوسف هو صاحب المُلْك، بدليل ما جاء في الآية 41 غير بعيد عن الآية السابقة: ﴿يا صاحِبَيِ السِّجنِ! أَمّا أَحَدُكُما فَيَسقي رَبَّهُ خَمرًا، وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصلَبُ فَتَأكُلُ الطَّيرُ مِن رَأسِهِ (يوسف، 41). إذ أنّ أصحاب الاتجاهات الخبزية هم المَصْلوبون من البنيان الطاغوتي، حتى كانوا غير متدينين ظاهرًا لأنهم يحاربون الاكتناز والبخس والاستغناء. أما أصحاب الاتجاهات الخَمرية فهم مبجَّلون في ذلك البنيان، وإن ضويقوا أحيانا.

فلا يجوز – عقلا – أن نطلب تغييرا في قطرنا بمعزل عن شبكة تربطنا بالاتجاهات الخُبْزية بأقطار المسلمين والمستضعفين الأخرى، أو أن ننشر مِلّة تفريقية بين المسلمين، أو بين المسلمين وبقية المستضعفين (التكفير)، فبذلك لن تكون ملتنا ملة تأويلية\حقانية/ألبابية لقوم يعقلون بل ستكون «مِلّة إسْمِية»، أي ملة تتعمد عبادة أسماء ولا تبتغي أنباء الغيب المتحرك: ﴿ما تَعبُدونَ مِن دونِهِ إِلّا أَسماءً سَمَّيتُموها أَنتُم وَآباؤُكُم، ما أَنزَلَ اللَّـهُ بِها مِن سُلطانٍ. إِنِ الحُكمُ إِلّا لِلَّـهِ [في ما يخص تعيين الكَفْرِية أو الإيمانية وغيرها]. أَمَرَ أَلّا تَعبُدوا إِلّا إِيّاهُ. ذلِكَ الدّينُ القَيِّمُ وَلـكِنَّ أَكثَرَ النّاسِ لا يَعلَمونَ (يوسف، 40).

فالهكسوس الشَّاميون الذين أصبحوا يحكمون مِلَّة مصر وسياستها بعد الفراعنة أصبحوا يؤمنون بــ(مِصْر أوَّلًا) وبتفرقة «المسلمين» (بتأثير من الإِمَّة التكفيرية التيموية) وبالتفرقة بين المسلمين وغيرهم من الأديان، وبالتفرقة بين المسلمين والمستضعفين. وهم بذلك استغلوا الملة التوحيدية (الإسلامية) ولكنهم أخضعوها للملة التفريقية ففرغت من توحيديتها وأصبح بإمكان امرأة العزيز (أي خَلْفيته النفسية) أن تراوده وتقصيه عن البرهان وتجبره على سَجْن الاتجاهات التوحيدية وقمعها ﴿ثُمَّ بَدا لَهُم [أي الحاكمون الهكسوس] مِن بَعدِ ما رَأَوُا الآياتِ لَيَسجُنُنَّهُ حَتّى حينٍ (يوسف، 35).

كان الانتقال الهكسوسي وَهْمُ انتقالٍ من الطاغوت الفرعوني، وعبادة للأسماء والأرباب الهكسوسية المتفرقة في العالم الإسلامي، و ذلك في صالح الشيطان الأكبر ﴿إِنَّ الشَّيطانَ لِلإِنسانِ عَدُوٌّ مُبينٌ (يوسف، 5). وهو الذئب الذي يأكل من الغنم القاصية، أي المسلمين متفرقين إذ يكفر بعضهم بعضا ولا يتعاونون معاشا ولا انتحالا – كما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم، [وهو «يَعْقُوبُ هذه الأمَّة» إذ له «عقب» مُطهَّرٌ تطهيرا] يدعونا لكي لا نتخلى عن يوسفنا أي عن مركز التغيير الإسلامي المعاصر والوحدة الإسلامية ووحدة المستضعفين في العالم: ﴿قالَ إِنّي لَيَحزُنُني أَن تَذهَبوا بِهِ وَأَخافُ أَن يَأكُلَهُ الذِّئبُ وَأَنتُم عَنهُ غافِلونَ (يوسف، 13). وتلك مصيبة أن تتحالف الشام ومصر الهكسوس على أجمل ما في متغيرات الأمة الإسلامية الحاضرة، رغم أن ليوسف العصر جميل قدمه لمصر إذ أن الهكسوس ما كانوا ليحكمُوا وما كانوا ليؤسسوا حركتهم لولا مجيء «اليوسُفِ» (كالذي اسمه جمال الدين الأفغاني بَدْءًا، ثم لولا ما قُدِّم لهم من تقانة عسكرية بفلسطين.

ومن غباء الهكسوس في العالم الإسلامي أن يشاركوا في قتل يوسُف الأمة الإسلاميةِ الحاضرة وحِصاره (= طرحه أرضا) وبيعه طمعا في الاختلاء بوجه النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله ﴿اقتُلوا يوسُفَ، أَوِ اطرَحوهُ أَرضًا، يَخلُ لَكُم وَجهُ أَبيكُم وَتَكونوا مِن بَعدِهِ قَومًا صالِحينَ (يوسف، 9). فقد باع الإخوة أخاهم يوسف ظنا منهم الإنفراد بوجه أبيهم، وجه الحق والهداية، كذلك يفعل عدد من الإخوة في الدين (بعلم أو بجهل) يبيعون اليُوسُفَ – نهج الحق أتباع أهل البيت – للطاغوت، ظنا منهم التقرب إلى الحق والإنفراد بوجهه …

لقد باع عرب آسيا يوسف بثمن بخس لعرب إفريقيا (وأساسًا مصر) بعد أن غيبوه في غيابات التكفير فسجنه عرب إفريقيا. وما على اليوسفيين (اليعقوبيين حقا الذين على هدي عقب النبي) إلا «الصبر الجميل» لا مواجهة العنف بالعنف: ﴿قالَ: بَل سَوَّلَت لَكُم أَنفُسُكُم أَمرًا، فَصَبرٌ جَميلٌ، وَاللَّـهُ المُستَعانُ عَلى ما تَصِفونَ (يوسف، 18).

سيغتر الهكسوس[13] بسوادهم المنتشر في العالم الإسلامي وبمساعدة (الذئب) الشيطان الأكبر لهم ولكنهم بذلك سيهدرون فرصة الأمة في التغيير ﴿إِذ قالوا لَيوسُفُ وَأَخوهُ أَحَبُّ إِلى أَبينا مِنّا وَنَحنُ عُصبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفي ضَلالٍ مُبينٍ (يوسف، 8). إنه تعصب العُصْبَة، وليس الإيمان، والافتراء لا الصدق ﴿وَجاءوا عَلى قَميصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ (يوسف، 18). فتمكينهم ليس يُوسُفيًّا، وإنّما قميصُهُ (ظاهره الديني) مَسْرُوقًا ومَكْذُوبًا / مُحرَّفَ المَدَاليل.

 

  • القدرة على التأويلية في كل مرحلة ربطا بالمبدأ والغاية:

إن اليوسفي هم المجاهد القادر على تأويل أحاديث الواقع بناء على البرهان/اللب/العقل وأنباء الغيب (والبرهان وأنباء الغيب أمر واحد جوهري) سواء في مرحلة الابتداء الإجتبائي ﴿وَكَذلِكَ يَجتَبيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأويلِ الأَحاديثِ (يوسف، 6).

وهذه القدرة لا تكون إلا بتمثل النعمة النبوية/الإمامية لآل العقب المحمدي ﴿وَيُتِمُّ نِعمَتَهُ عَلَيكَ وَعَلى آلِ يَعقوبَ (يوسف، 6) فضمير عليك وضمير آل العقب أمر واحد فطريا وذلك كما أتمها على الأب الرحيم: الإبــ – راهيم أبى هذه الأمة، سيدنا محمد الرحمة للعالمين صلى الله عليه وآله وعلى ساحق الجبارين والمستكبرين بعده (الإسحاق ) أي علي عليه السلام.

تلك التأويلية القادرة على فهم الطعام المعاشي والانتحالي الممكن للأمة قبل أن يأتينا الذي يقربنا أكثر فأكثر من ملة الآخرة، أي ملة وراثة الأرض كلها على أيدي الصالحين وهي الملة الآخرة ملة إتمام النعمة وإكمالها ﴿إِنّي تَرَكتُ مِلَّةَ قَومٍ لا يُؤمِنونَ بِاللَّـهِ وَهُم بِالآخِرَةِ [أي بالمرحلة المهدوية – الصالحية] هُم كافِرونَ (يوسف، 37).

فالأطروحة المهدوية إنما هي قصص لملة الوراثة الصديقية ﴿مِلَّةَ آبائي إِبراهيمَ [الأب الرحبم المؤسس للملة] وَإِسحاقَ [الساحق للأعداء الذين يريدون استئصال تلك الملة] وَيَعقوبَ [الذي تركز فيه العقب المجتبى الوارث، وهو في الحالة المحمدية العقب الحسيني] ما كانَ لَنا أَن نُشرِكَ بِاللَّـهِ مِن شَيءٍ ذلِكَ مِن فَضلِ اللَّـهِ عَلَينا [الفضل الصديقي الإمامي] وَعَلَى النّاسِ [باعتبار أن اللطف الإمامي على ذلك العقب المطهر هو لطف بكل البشرية] وَلـكِنَّ أَكثَرَ النّاسِ لا يَشكُرونَ (يوسف، 38)، فيضطهدون ذلك العقب واليعقوبيين الموالين له بكل الوسائل المتاحة.

إن اليوسفية بما هي روح المهدوية – الصَّالحية نَحْمِلها فتربِطُنَا بالمبدإ الأب – الرحيمي[14] (المحمدي) وبالآخرة المهدوية تجعلنا ذوي قدرة تأويلية تغييرية عظيمة وذوي بصيرة أي قدرة سوقية على إدارة الأمد الحاضر ﴿قُل هـذِهِ سَبيلي أَدعو إِلَى اللَّـهِ عَلى بَصيرَةٍ أَنا وَمَنِ اتَّبَعَني وَسُبحانَ اللَّـهِ وَما أَنا مِنَ المُشرِكينَ (يوسف، 108).

و«الإشراك» هنا هو صبغ الملة المحمدية بالتمويل النفسي الشيطاني الذي يصف لنا الولايات المتحدة الأمريكية صديقا ويوسف الأمة الإسلامية عدوا، وتلك الروح اليوسفية (أي المهدوية) تجعلنا رغم حصار الشيطان (سجن يوسف) ورغم الطرح الهكسوسي أرضا متفائلين أبدا ﴿حَتّى إِذَا استَيأَسَ الرُّسُلُ وَظَنّوا أَنَّهُم قَد كُذِبوا جاءَهُم نَصرُنا فَنُجِّيَ مَن نَشاءُ وَلا يُرَدُّ بَأسُنا عَنِ القَومِ المُجرِمينَ (يوسف، 111).

فكل مراحل العبرة (المراحل الإنتقالية) هو من أجل التأسيس الإقترابي أكثر فأكثر من (الدار الآخرة) أي إستقرار ملة الأب الرحيم (صلى الله عليه وآله) وظهورها على الدين كله ﴿وَلَدارُ الآخِرَةِ خَيرٌ لِلَّذينَ اتَّقَوا أَفَلا تَعقِلونَ؟! (يوسف، 109).

 

  1. الإِمَّة الأَوَّلِيَّة للعِبْرة باتجاه الدار الآخرة هي المَعَاش: 

باعتبار أن مشروع المجاهدين ينبغي أن يكون استجابة لحاجات الناس الحقيقية، وباعتبار أن حاجاتهم الأولية معاشية، كان من الضروري أن تكون الإمة الأولية للعبرة ذات النزعة اليوسفية (أي المهدوية) هي الإمة المعاشية، فلما أحس أهل المصر أن الأزمة المعاشية العالمية التي ضربت القطر لن تحل إلا بقدرة تأويلية عظيمة للطعام حتى يأتينا، و من ثم قدرة تمكينية تستطيع استيعاب ذلك التأويل في دين ملِك، أي ديوان مُلْكِيّ[15] ولم يجدوا مصداقا لما يريدونه إلا في البصيرة البرهان اليوسفية وملتها أقبلوا عليها تدريجيا. و بذلك خرج اليوسف من الحصار (السجن) ليجد نفسه على رأس العبرة.

فالرؤيا كانت تشخيصا للأزمة المعاشية الخانقة ولا بد للرؤيا من عبُور (أي تأويل)، فإذا كان العُبور كانت القدرة على العِبرة. ولما عجز رب مصر الهكسوسي عن الأمرين طلب من الملإ والقوم التدخل فأحالوه على الناجي نِسْبيا منهم، و كان قد تناسى اليوسف واليوسفية بتأثير من المال البدوي الوفير، وأحالهم بدوره على اليوسف واليوسفية.

﴿قالوا أَضغاثُ أَحلامٍ وَما نَحنُ بِتَأويلِ الأَحلامِ بِعالِمينَ (44) وَقالَ الَّذي نَجا مِنهُما وَادَّكَرَ بَعدَ أُمَّةٍ [فالأُمَّةُ الهِكْسُوسِيَّةُ الأعرابية أَعْمَتْهُ وأَنْسَتْهُ]: أَنا أُنَبِّئُكُم بِتَأويلِهِ فَأَرسِلونِ (45) يوسُفُ أَيُّهَا الصِّدّيقُ أَفتِنا في سَبعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأكُلُهُنَّ سَبعٌ عِجافٌ وَسَبعِ سُنبُلاتٍ خُضرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلّي أَرجِعُ إِلَى النّاسِ لَعَلَّهُم يَعلَمونَ (46) (يوسف، 44–46). فالبدو الأثرياء أنفسهم، والذين زادوا تحكما ببيعهم لليوسف واليوسفية، دخلوا هم أنفسهم الأزمة المدمرة ولم يعودوا يستطيعون تقديم الخمر للشيطان الأكبر وللأوتاد (الأرباب الأعراب التابعين له). وهنا تعترف امرأة عزيز مِصْرَ الهكسوسي، المتوهم للتوحيد بما هي خلفيته النفسية، بخطيئتها نحو اليوسفية وحصحصت للحق مقرة بأنها بريئة مما ألصقته بها من إدعاءات سوء جرت الأمة إلى محاصرتها وسجنها (أي تأبيد الشيطان الأكبر في حصارها من أجل طرحها أرضا وقتلها أو تفييتها بحب التدمير).

كان المشروع/المسعى المعاشي اليوسفي مشروع الأُمَّة، يُشْرِكُهَا في توفيرها المعاشي فيطلب منها بضاعة مقابل كيل الدولة (الآيتان 65 و62) حتى لا تكون تواكلية وهو لا يقصي بَدَوِيَّها ولا حضريَّها مشروع توحيد لا تفرقة بين أرباب/أوتاد تابعين للشيطان الأكبر، مُقَسِّمًا «العبرة» (=الأمد الإنتقالي) إلى ثلاثة مراحل:

  • مرحلة الزرع الدائب: الدَّأبُ هو الكسْب المشيئي – التمكيني، الهادف إلى «الاسْتعصام»، وهو رِبعة المستضعفين أو الأكثرية أو الجميع عن أصحاب الاستغناء والاكتناز والبَخْس، وعَنْ مَرَاكز الاستكبار (الامبريالية) في العَالَم. وهذه المرحلة تتطلب «التقديم»، أي الادخار المستقبلي. مع ترك الرُّبُع دون استهلاك تام احتياط للمرحلة الآتية، مرحلة الانهيار التام للرأسمالية العالمية.
  • المرحلة الموازية لانهيار الرأسمالية العالمية: هي مرحلة استيعاب الشدة بأكل «المُقَدَّم» إلا قليلا للتحصين العسكري: ﴿قالَ: تَزرَعونَ سَبعَ سِنينَ دَأَبًا: فَما حَصَدتُم فَذَروهُ في سُنبُلِهِ إِلّا قَليلًا مِمّا تَأكُلونَ(47) ثُمَّ يَأتي مِن بَعدِ ذلِكَ سَبعٌ شِدادٌ يَأكُلنَ ما قَدَّمتُم لَهُنَّ إِلّا قَليلًا مِمّا تُحصِنونَ(48) (يوسف، 47 – 48).

و كلا المرحلتين، نلاحظ فيها اعتماد المِصْرُ المُسْلِم أساسا على نفسه (=«الدَّأْبُ») وعلى التبادل مع الأمصار المسلمة، فالآية تقول: ﴿اجعَلوا بِضاعَتَهُم في رِحالِهِم (الآية 62)، والآية الأخرى تقول: ﴿وَجِئنا بِبِضاعَةٍ مُزجاةٍ[16] فَأَوفِ لَنَا الكَيلَ ( الآية 88 ). فلا بد من التبادل بين الأقطار المسلمة بل بينها وبين الأقطار الأخرى التي يريد الشيطان الأكبر طَرْحَهَا أَرْضًا، حتى وإن كانت بضاعتها مزجاة، وحتى وإن كان أهلها المسلمون هِكْسُوسًا، فالمهم أنهم إخوة اليُوسُفِ حتى وإن كانوا متآمرين وخاضعين للتسويل الشيطاني. وذلك من «الصبر الجميل». ففي النهاية سيعترفون بيُوسُفِ العصر الراهن: ﴿وَجاءَ إِخوَةُ يوسُفَ، فَدَخَلوا عَلَيهِ، فَعَرَفَهُم وَهُم لَهُ مُنكِرونَ (يوسف، 58).

والفهم الحق لحكم الله تعالى، وهو حكم اللب والفطرة التي فطر الله الناس عليها يجعلنا نفهم السرقة على أنها الاعتداء على ملكية الأمة والدولة العابرة (أو الدولة الإسلامية بما هي مسعى أراني مستمر)[17].

وسيستمر استدراج اليوسفي ذا الدولة لإخوته حتى يعترفوا باليوسفيين الصغار المحاصرين داخل الأقطار التي يحكمها الهكسوس باسم إسلام وهمي ﴿وَلَمّا جَهَّزَهُم بِجَهازِهِم قالَ ائتوني بِأَخٍ لَكُم مِن أَبيكُم [الأصل الواحد، وهو سيدنا محمدنا صلى الله عليه وآله] أَلا تَرَونَ أَنّي أوفِي الكَيلَ وَأَنا خَيرُ المُنزِلينَ (يوسف،59) ومن الواضح الاتجاه العدلي في كلتي المرحلتين والانحياز فيهما للطبقات المهددة (أو التي كانت فقيرة أو مطبقة) وحماية الضعفاء من صغار ومهمشين داخل القطر الأعرابي ذي المال الوفير أو غيره ﴿ائتوني بِأَخٍ لَكُم مِن أَبيكُم (يوسف، 59) ﴿فَإِن لَم تَأتوني بِهِ فَلا كَيلَ لَكُم عِندي وَلا تَقرَبونِ[18] (يوسف، 60) ﴿كَذلِكَ كِدنا لِيوسُفَ ما كانَ لِيَأخُذَ أَخاهُ في دينِ المَلِكِ (يوسف، 76) فلم يكن خاضعا للدين (القانون) بل للفوضى الأعرابية التعسفية و أصبح ضمن الإيواء والسعادة ﴿آوى إِلَيهِ أَخاهُ قالَ إِنّي أَنا أَخوكَ فَلا تَبتَئِس بِما كانوا يَعمَلونَ (يوسف، 69).

وسيستطيع اليوسفيون بصبرهم الجميل أن يستدرجوا الهكسوس للتوحيد الحقيقي والوحدة الإسلامية بعد أن يتحكم الشيطان الأكبر فيهم طويلا، وأن يتحرروا في الآن نفسه من السجن/الحصار الذي شارك فيه الهكسوسُ الشيطانَ الأكبرَ: ﴿وَقالَ يا أَبَتِ هـذا تَأويلُ رُؤيايَ مِن قَبلُ. قَد جَعَلَها رَبّي حَقًّا. وَقَد أَحسَنَ بي إِذ أَخرَجَني مِنَ السِّجنِ، وَجاءَ بِكُم مِنَ البَدوِ مِن بَعدِ أَن نَزَغَ الشَّيطانُ بَيني وَبَينَ إِخوَتي. إِنَّ رَبّي لَطيفٌ[19] لِما يَشاءُ. إِنَّهُ هُوَ العَليمُ الحَكيمُ (يوسف، 100).

فإذا كان ذلك ناجزًا كان إلحاقُ المرحلة الثانية تلك بأمد الصالحين: ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (الأنبياء، 105). ودولة الصالحين (=الدولة الصالحية) هي دولة امتلاء الأرض عدلاً وقسطًا عَدَدَ قرون امتلائها ظلمًا مَعَاشيّا وجوزًا سياسيًّا.

يقول اليوسفي: ﴿تَوَفَّني مُسلِمًا وَأَلحِقني بِالصّالِحينَ (يوسف، 101). فالأمد المهدوي بما هو أمد صالِحيٌّ به ظهور الإسلام العَدْلِيّ على الدين كله مشروط بتوفية المرحلتين توفية إسلامية على بصيرة لا على تعصب وعُصْبَة، والأعلى عَصَبية الإخوة الهكسوس والمال الهَكْسُوسيّ الأوتادي المتحالف مع الشيطان الأكبر. فإذا كانت توفية المرحلتين المباركتين كان العام الأول في دخول «العصر»[20]: ﴿ثُمَّ يَأتي مِن بَعدِ ذلِكَ عامٌ فيهِ يُغاثُ النّاسُ وَفيهِ يَعصِرونَ ( يوسف، 49).

و«عصر» الناس هو بداية دخول زمن العصر الحقيقي للإنسان، أي العصر المهدوي الصالحي الوراثي. وفي العام الأول من العصر تكون الاستجابة لدعاء «الغوث! الغوث! خلِّصْنا من النار يا رب!». وفيه «يُغَاث الناس» أي كل البشرية ويَعْصِرُون الزمنَ المهدويَّ الصالحيَّ بدءا ، إذ يأتي غياث الزمان نصرا لليوسفيين و شكرا إلهيا لهم على صبرهم الجميل الطويل: ﴿حَتّى إِذَا استَيأَسَ الرُّسُلُ وَظَنّوا أَنَّهُم قَد كُذِبوا جاءَهُم نَصرُنا فَنُجِّيَ مَن نَشاءُ (يوسف، 110)، أي من تطابقت مشيئتهم الحقيقية مع المشيئة الإلهية.

  1. امرأة عزيز مِصْرَ: نساءُ الطبقة الموجّهة بين حمل الحطب الشيطاني وبين المثل الأعلى الآسيوي:

        إنّها امرأة الهكسوس الذين يتوهمون إسلاميتهم، امرأة الطبقة المستكبرة. وهي بين اختيار دورٍ أوّل سلبي واختيار دور ثانٍ سلبي.

  • الدور الأول: دور السلطة الغريزية الشيطانية، كانت هذه السلطة ترمي بشباكها للالتفاف على اليوسُفِية، وذلك بإغراءاتها الكائدة. فكانت تجري وراء يوسف لاحتوائه واستعباده، وإحباط مَسعى اليوسفية وتشويهها. لكن المَسعى اليوسفي أسمى من التدنيس، فأبي إلا أن يمضي في طريقه المحمدي (المهدوي) الصافي من كل الشوائب رغم مصاعب هذا الطريق، كالسجن والاتهام… وذلك مصداق الحديث القدسي: «وعزتي وجلالي وعظمتي ونوري وعلوي وارتفاع مكاني لا يؤثر عبد هواي على هواه إلا استحفظته ملائكتي وكفلت السماوات والارضين رزقه وكنت له من وراء تجارة كل تاجر وأتته الدنيا (السلطة) وهي راغمة». (الكافي، ج3) وفي مسند أحمد: «… مَنْ كَانَ هَمُّهُ الْآخِرَةَ جَمَعَ اللَّهُ شَمْلَهُ وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ وَمَنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ الدُّنْيَا فَرَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَلَمْ يَأْتِهِ مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ …» (حديث زيد بن ثابت مسند أحمد).

فعلى اليوسفيِّ أن لا يكون همُّهُ السلطة بل همه رفع معاناة القوم والأخذ بيد الضعيف. فمن كان هذا همه تأتيه السلطة راغمة ولو بعد حين. وهنا تكون «أمّ اهبٍ» حمَّالة الحطب الشيطاني الذكوري.

  • الدور الثاني: تطهير هذه السلطة الغريزية الشيطانية من الدنس وذلك بسجنها وعدم المبالاة بها حتى تتطهر من شوائبها لتصبح في مسار المَسْعى اليوسفي الطاهر… وتنتقل من السلطة الشيطانية المغرية إلى السلطة الرحمانية الحكيمة والفاعلة…. هنا تكون امرأة الطبقة المستكبرة «آسِيَةً» في قلب الحِمى الفرعوني، يُلقي عليها الله محبة مِنه، وتخدم اليوسفية والموسوية (=التمهيد للمهدوية): ﴿وَضَرَبَ اللَّـهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (التحريم،11).

لقد عاشت السيدة زليخة – مثلاً- الوظيفتيْن المتضادَّتيْن. فمرّةً كانت مع اليوسُفيّة، مُكْرِمَةً لمَثْواها دون وعي بمقامها؛ ولمّا ظهرتْ أنوارُه المقتفية لليعقوبية (أي للمحمّدية بما هي اليعقوبيةُ الجوهريةُ وُجودًا) والممهّدية للموسَوية[21] (أي الممهّدة للخلاصية أو المهدوية) أصبحتْ «مُرَاوِدَةً» لها عَنْ نَفسها، أي عن اعتزامها التغييري، حمَّالة للحطب الاستكباريّ لتبْنيَ به الأبواب المغلَقَة مَعاشًا وحياة نفسية (سورة يوسف، الآية 23). ولكنَّ البرهانية الإلهية كانت عاصمةً دائمًا للمشروع اليوسُفي.

ولكنَّ زليخة حَصحصت الحقَّ في ذاتها، واعترفتْ بصِدقه، مطهِّرة نفسها مِن الفرعونية، بسلوكها الاستغفاري-الاسترحامي في سياق مجاهداتها الدَّائِية (سورة يوسف، الآية 53).

 

        خاتمة:

  1. تَقَصِّي اليوسفية (=قَصَصُهَا) هو الذي سيوصلنا إلى العِبْرة، أي الانتقال الانتحالي والمعاشي للعبور إلى العصر التمكيني الامتلائي للأرض.

فسورة اليُوسُفِيّين هي سورة البحث عن تصديق (=عن مصاديق) للذي بين إظهار المِلَّة المحمدية على الدين كله عن طريق دولةِ عِبرةٍ (أو عُبورٍ) ورساليين يوسفيين (أو وُسُفِيّين باللغة المُصَرية) لإيصال القرون العجاف إلى عجزها، فعام يغاث فيه ناس الأرض و يَعْصِرُون عَصْرَ الصالحين مع أبي صالحٍ وأبي الصالحين، عليه السلام. إنها سورة تلهمنا القدرة التأويلية والتماشية والعِبْرِيَّة (العبورية) وإن يوسف عليه السلام أي يوسف الأمة المحمدية، هو الإمام أبو الصالحين (أبو الصالح) عليه السلام، الذي إن تماهينا به سنؤوّل أحاديث مرحلتنا الصعبة جدا. يجب أن لا يكون يوسفنا ليس حاضرا موضوعيا فحسب بل يجب أن نستحضره في جهادنا بصيرةً وسَوْقا معاشيا وسياسيا وانتحاليا وفنيا وخطابيا، فندخل بعقله البرهاني التأويلي زماننا الصعب مِنْ «أبواب متفرقة» حتى نشققه ونسيطر عليه قطريا وإقليميا وعالميا وعلى جميع مجالات حياتنا وخاصة المعاشية والتربوية: ﴿وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدخُلوا مِن بابٍ واحِدٍ وَادخُلوا مِن أَبوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ (يوسف، 67).

  1. إن اتهام اليوسفيين مِنْ قِبَلِ الأعْرَاب والهِكْسُوس بسرقة الإسلام[22]، ومِنْ قِبَلِ النفس الهكسوسية الأمَّارة بالسوء له بإرادة الفحشاء (يوسف، الآية 53) وتحالف أربابهم مع الشيطان الأكبر على سجنهم وتغييبهم وقتلهم وطرحهم أرضا (حصارهم إعلاميا ومعاشيا وعسكريا واحتشاديا وتكفيرهم وعزلهم) حتى يخلو لهم وحدهم احتكار فهم الإسلام الحنيف كما يحلو للتسويل الشيطاني، لن يفلح وبالصبر الجميل على ما يصفون من اتهامات باطلة ونظرا لما تمر به من رؤيا أي من يقظة وصحوة وهي رؤية مشوبة بكابوس الأزمة المعاشية الخانقة وبوادر إنهيار الرأسمالية – سوف تقتنع بضرورة عرض الرؤيا وحاجاتها المعاشية الملحة جدا على اليوسفيين. ومن ثمة نعبر من الرؤيا بأوهامها وأضغاث أحلام (يوسف، الآية 44) إلى «التأويل» بما هو سيطرة حقيقية على أحاديث الواقع وأنباء الغيب إعتمادا على ملة آباء الأمة (إبراهيمها وإسحاقها ويعقوبها، الحسن والحسين باعتبار أن الإمام المهدي ينحدر من عقبيهما معا وهما عقب واحد وإن كان الظاهر عقب الإمام الحسين في الكواكب التسعة عليهم السلام). فتلك التأويلية ذات الأبواب المشرعة على الواقع الشهادي والواقع الغيبي هي القدرة التفاؤلية التاريخية العظيمة لاقتلاع الشيطانية والعبرة نحو العصر.

وبذلك لن يكون بكاء يعقوب الأمة عليه السلام، أي سيدنا الحسين يَوْمُ الكرب واللاء، على الأمة، وخوفه الذي وشى به لأخته زينب عليها السلام على حياة الإمام زين العابدين وعَقِبِهِ، بكاءا وخوفا غريزيين بل سيكونان على ما ستكابده الأمة من معاناة وشدة وضنك بطرحها لليوسفية أرضًا وتحريفها لصورة وجه أبينا محمد صل الله عليه وآله: ﴿وَتَوَلّى عَنهُم وَقالَ يا أَسَفى عَلى يوسُفَ! وَابيَضَّت عَيناهُ مِنَ الحُزنِ، فَهُوَ كَظيمٌ (يوسف، 84). وهو «حزن جميل» ينبغي أن نعيشه بكاءا على اليوسفية وقتلها، يمنحنا روحا إلهيا ويدفعنا لتحسس أبواب اليوسفية، فلن تطول غيبة اليُوسُفِ الأخير عليه السلام، بل سيحكم فِترَتيْ تمكيننا العِبْرِيِّ بحول الله تعالى بتماهينا ببصيرته وبصيرة آبائه (إبرَاهِيمِهِ وإسْحاقِهِ ويَعْقُوبَيْهِ، وهما يعقوبٌ واحد في الحقيقة). فلن نتأثر باللوم والسخرية الهكسوسيين من بكائنا على اليوسفية: ﴿قالوا تَاللَّـهِ تَفتَأُ تَذكُرُ يوسُفَ حَتّى تَكونَ حَرَضًا أَو تَكونَ مِنَ الهالِكينَ! (85) قالَ إِنَّما أَشكو بَثّي وَحُزني إِلَى اللَّـهِ، وَأَعلَمُ مِنَ اللَّـهِ ما لا تَعلَمونَ (86) يا بَنِيَّ اذهَبوا فَتَحَسَّسوا مِن يوسُفَ وَأَخيهِ، وَلا تَيأَسوا مِن رَوحِ اللَّـهِ. إِنَّهُ لا يَيأَسُ مِن رَوحِ اللَّـهِ إِلَّا القَومُ الكافِرونَ(87) (يوسف، 87).

  1. إن «التحسس» بما هو دخول على الشهادة والغيب من الأبواب المتفرقة وجوس خلال سبل الوحدة والتوحيد والعدل المعاشي وبكاء وعشق وحب موضوعه اليوسف المغيب عليه السلام، وأعلام اليوسفية في مرحلة التمكين العبري كفيل بإمداد الرحمة الإلهية التي لا حد لها في صراعنا مع الشيطان الإجتماعي والسياسي والمعاشي والنفسي الراهن. وآنئذ يتوب بعضُ الهكسوسِ آتين من البدو معترفين بيوسفية اليوسف عليه السلام ويوسفية إخوته المجاهدين ﴿قالوا أَإِنَّكَ لَأَنتَ يوسُفُ قالَ أَنا يوسُفُ وَهـذا أَخي قَد مَنَّ اللَّـهُ عَلَينا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصبِر فَإِنَّ اللَّـهَ لا يُضيعُ أَجرَ المُحسِنينَ(90) قالوا تَاللَّـهِ لَقَد آثَرَكَ اللَّـهُ عَلَينا وَإِن كُنّا لَخاطِئينَ(91) (يوسف، 90-91) مقرين بجهليتهم وجاهليتهم سابقا ﴿قالَ هَل عَلِمتُم ما فَعَلتُم بِيوسُفَ وَأَخيهِ إِذ أَنتُم جاهِلونَ (يوسف، 89) وبذلك ندخل ذلك العام الجميل الذي وراءه عصر الإنسان ﴿عامٌ فيهِ يُغاثُ النّاسُ وَفيهِ يَعصِرونَ(يوسف، 49) ولإعداد ذلك لا بد من إتيان الحكمة والعلم اللذين يجعلاننا نستحق عصر التمكين بمرحلتيه المفضيتين لذلك العام وذلك العصر ﴿وَلَمّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيناهُ حُكمًا وَعِلمًا وَكَذلِكَ نَجزِي المُحسِنينَ (يوسف، 62). والجزاء المَبْدئيّ هو التوفيق العُبُورِيّ. وأما الجزاء الأوفى فهو العِبْرَة المفضية إلى «العصر» عليه السلام، أي عَصْرَ ملءِ الأرض عدلاً وقسطًا، كما ملئت ظلما وجورًا.

ـــــــــــ * ـــــــــــ

لن يطول تحكم الهكسوس في مُلْكِ المِصْرِ المُسْلِم، معتقدين أنهم أسقطوا الفرعونية – وهي ما زالت مستمرة بنيانا ودِيوَانًا وعلاقاتٍ أوتاديةً بالشيطان الأكبر، وسيكتشفون عاجلا أو آجلا أنهم مخطئون في بيع اليوسفية وطرحها أرضا وسَجْنها وعدم تشريك الناس في المُلْكِ. ولما يعجزون نهائيا عن حل الأزمة المعاشية بالتعاون مع الرأسمالية العالمية المحاصرة لليوسفية والمدعمة للحركة الصهيونية، سيهرعون لليوسفية ضارعين لتُمْسِك بخزائن الأرض العربية من أجل عبرة الأزمة. وستكون اليوسفية عند حسن ظن الناس معاشيا لتقنصهم بعد ذلك وبذلك بالعبرة نحو عام الخوف ومبدإ العصر.

ـــــــــــ * ـــــــــــ

لا يُمكن لدولة الصالحين التي يؤمّها الإمام المهدي (ع) (الموسى العالمي) أن تَملأ الأرض دون مَرحلة عُبُورية. والدولة العُبورية (أو الدول العُبورية) الممهّدة لها تقتضي ظهور اليوسُفية واليُوسُف، بما هو القدرة السَّوْقية الكَدْحية على تأويل أحاديث الاستعصام الأصلي في النبوة المحمّدية وتأويل أحاديث الراهن والمستقبل.

فإذا كان التمكين اليُوسفي كان تمكين المستضعفين الأوَّليّ، ممركزًا للمَعَاشِيّ العَداليّ والدَّأبِيّ، حتى تظهر المشيئة الإلهية في ظهور المشيئة الإنسانية وهيمنتها على خزائن الأرض بعد استنزافها الجشعيّ-الاستكباري إلى حدّ تهديدها بالنفاذ وتهديد الجنس البشري بالانقراض: ﴿كَذلِكَ مَكَّنّا لِيوسُفَ فِي الأَرضِ يَتَبَوَّأُ مِنها حَيثُ يَشاءُ. نُصيبُ بِرَحمَتِنا مَن نَشاءُ [بتطابق المشيئة اليوسفية العَدالية مع المشيئة الإلهية الرحيمية] وَلا نُضيعُ أَجرَ المُحسِنينَ (يوسف، 56).

أمّا أجْرُ الكَدْح ما بعد اليوسُفي (أي «الصالحي»، نسبةً إلى «الصالحين» أو ﴿عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ، في «الدَّار الآخرة» أي في امتلاء الأرض أخيرًا ونهائيا بالعدل والقسط فهو أعظم: ﴿وَلَأَجرُ الآخِرَةِ خَيرٌ لِلَّذينَ آمَنوا وَكانوا يَتَّقونَ(يوسف، 57).

جعلنا الله تعالى مِن الممهّدين اليوسُفيين على طريق التمكين للمستضعفين في الأرض؛ بإفاضة «البصيرة» والقدرة التأويلية للأحاديث علينا!

 

الهوامش*****************************

[1] في كلمة (الآرامية) انقلبت العين ألفا لوجود تقارب بين المَخْرجين، وانقلبت الباء ميما (والمَخْرجان متقاربان أيضا)، فالأصل هو: «العَرَبية».

[2] … ليس هُناك «لغة» عِبْرية، أو لغة «عِبرانية»، وإنما هناك لهجة بَدَوية عِبْرية من لهجات اللغة العربية-السّريانية. أمّا «اللّغات السامية» و«الجنس السامي» فليس لهما وُجود موضوعي أصلاً، إلا في الأسطورة المركزية اليهودية والامبريالية «الثقافية» الصهيونية-الغربية، فلا علاقة لها بالعلم.

[3] الفيروز آبادي، القاموس المحيط، المجلد الثالث، ص 204.

[4] المثوى هو: الإقامة الطويلة … وسيدنا المهدي مازال مقيما طويلا بقومِهِ صابرا محتسبا حتى يفتح الله له…

[5] و3 الطباطبائي، الميزان، ج 11، ص 132 والحيدري . 

[7] السَّوْق: هو «الإستراتيجيا» في اللغات الأوروبية. والأصل الإغريقي، لـ«الإستراتيجيا» يعود إلى أصل عربي-سرياني: «الإسراجُ»، وهو جزء من السَّوْق العسكري (= تهيئة السروج وما في معناها).

[8] الإِمَّة: هي المَرْكز الذي يَؤُمُّ الإِبِسْتِمِيَّة المعاصرة.

[9] الحيدري (كمال)، م. س، ص 87.

[10] المجلسي (محمد باقر)، بِحار الأنوار، ج 75، ص 193.

[11] الأحاديث: ج حديث وهو المستجد المتغير والمتحول.

[12] «سجدت النخلة: أي انحنت لثقل عراجينها» (الفيروز أبادي، القاموس المحيط).

[13] جاء الهكسوس من غرب آسيا ليسقطوا الفراعنة بمصر، وكانوا يحسبون أنهم بذلك أسقطوا الفرعونية والوَتَدِية.

[14] أي: «الإِبْـ- رَاهِيمي» باللغة العربيّة – السِّريانية.

[15] «الديوان» في لغات أوروبا هو «البيرقراطية».

[16] البِضَاعة «المزْجاة» هي البضاعة الرديئة.

[17] راجع تدبّرنا المقترح في سورة الفجر عليها السلام.

[18] … وهو مجرد تهديد تربوي، وليس تهديدا حقيقيا، كما هو واضح.

[19] لطف الله تعالى بدأ تجليه في بداية الصحوة التي كانت كما قال السيد علي الحسيني حفظه الله «لُطفا إلهيا».

[20] راجع مقولة (العصر) في تدبر الكيان السوري التساعي.

[21] «المُوسى» مِنْ مادَّة «وَسَيَ»، أي القائم بالوساية، وهي الاستقامة والاستواء، أي العَدْل (ابن منظور، شأن العرب، المجلّد 15، دار الفكر، بيروت، 1997، ص392). فكل أسماء الأنبياء والمعصومين ليست اعتباطية، بل ذات دلالة أنطولوجية وسَوْقية في مَسْعى التغيير الإنْساني اللاَّهُوتيّ.

[22]﴿قالوا إِن يَسرِق فَقَد سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِن قَبلُ ادعاءًا بَاطِلاً، ﴿فَأَسَرَّها يوسُفُ في نَفسِهِ وَلَم يُبدِها لَهُم (سورة يوسف، الآية 77).