تدبّر طالب التيسير في فضاء القرآن الكريم: مقدمة التدبّرات

0
93
اللوحة للرسام المصري محمد حجي من ديوانه التشكيلي رسام يرسم القرآن

د. نعمان المغربي: (باحث في علوم الأديان المقارنة، تونس)

 

 

﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ، فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ؟!

(القمر،17)


 

ما القرآن الكريم:

القرآن الكريم هو كتابٌ عظيم من الله تعالى للبشر. كان مِنَّة من الله تعالى لهم من أجل «إحيائهم» ودَفع «الأغلال» عنهم وبَسط «القسط» و«الفلاح» بينهم. إنه «كتابٌ يصْنع الإنسان، كتاب الإنسان المتحرك»[1]، ليجعل من الإنسان بالقوة «إنسانًا وموجودًا بالفعل»[2]، فيرتقي إلى آخر المَرَاتب التكاملية، الفردية والجماعية. فهو «يصنع معنويات الإنسان ويصنع الحكومات»[3]، وهو مهيمن على ماضي الإنسان وحاضره ومستقبله، لكي يرتقي «من الطبيعة إلى الغيب، ومن المادية إلى المعنوية، في سبيل العدالة، ولإقامة العَدْل»[4].

إنه الكتاب الذي ﴿لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ(فُصّلت، 42)، وهدفه الجوهري هو إحياء الإنسان فردًا وجماعة: ﴿استَجيبوا لِلَّـهِ وَلِلرَّسولِ إِذا دَعاكُم لِما يُحييكُم(الأنفال، 24). إنه ليس «كلمات تتجمَّد في معناها اللغوي، بل هي كلمات تترك في أجواء روحية وعملية (…) وتهدي وتقود إلى الصراط المستقيم (…). فقد كانت آياته تتنزّل في أجواء حركة الدعوة الإسلامية، لتراقب نقاط ضعفها وقوّتها، في خطوات الداعية وفي تحديات الواقع»[5]. وهو الدليل الأساسي للمسلم العامل، وللعمل الإسلامي التغييري، فكرًا وممارسة وقلبًا وتعاملاً.

إن القرآن الكريم «كتاب رسالة ودعوة»[6]. إنه كتابٌ مفرّد، متميّز على بقية الكتب، شكلا ومحتوى، وهو ليس من أجل مجرّد القراءة، بل من أجل القراءة الهادية للعمل، فهو «يُعيّن لنا تكليفنا وواجبنا»[7]. فهو المدرسة الوحيدة التي بإمكانها تمهيد الطريق الأقْوَم لهداية الإنسان نحو استخدام قابلياته، «وتتقدم بالقوى البشرية [في ] الخير والصلاح، وبكل ما يكون تحت تصرف الإنسان في طريق الأمن والكمال»[8]. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هـذَا القُرآنَ يَهدي لِلَّتي هِيَ أَقوَمُ(الإسراء، 9).

 

ضرورة «التدبر» في القرآن الكريم:

« التدبر» هو «النظر في إدبار الأمور وتأملها»[9]، وإدبارُ الأمور هو ما تؤول إليه من نتائج وإمكانيات وأحوال وأطوار. فالتدبر هو «تصرّف القلب بالنظر في العواقب»[10].

فالأمر القرآني: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا؟!(محمد، 24)، إنما هو دعوة لمعرفة إمكانيات آياته، فالتدبر هو وُقوف على التعدد والكثرة والبَدَاء والتطبيقات، وعلى حاضر النزول وماضيه وعواقبه وإدباره مستقبلاً. وهو كذلك الوقوف على كل آية، مِنْ أوّل آية إلى آخرها، من أوّل السورة إلى آخرها، من أوّل القرآن الكريم إلى آخره، أي اعتبار الكتاب الكريم وَحْدَةً، واعتبار السُّورَة وَحْدَة مُسَوَّرَة، إذ أن القرآن الكريم «ينطق بعضه ببعض ويشهد بعضه على بعض»، كما جاء في الحديث الشريف[11]، وجاء في حديث النبي صلى الله عليه وآله: «إن كتاب الله مَوْصُولٌ ببعضه»[12].

كلنا مطَالَبُون بالتدبر حتى لا نَهلك، يقول النبي صلى الله عليه وآله: «إذا التبست عليكم الفِتن كقِطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن، فإنه شافع مشفّع، وماحِلٌ مصدَّق، ومَنْ جَعَلَهُ أمامه قاده إلى الجنة، ومَن جعله خلفه قاده إلى النار(…)»[13]. فعلينا أن نطالع القرآن الكريم حتى «مطالعة سَطحية، وليس من الضروري مطالعة دقيقة»[14]، وسَوْف ترتقي قراءتنا إذا اعتمدنا على الله تعالى واستنجدنا بالراسخين في العلم (الرسول وأهل تيبة والعلماء). إنه ليس كتابا لمجرّد التبرّك والتعبّد بالمعنى العادي، بل إن التبرّك والتعبّد الحقيقيين بالقرآن الكريم هو تدبّره: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ(ص،29).

والمرحلة الأرقى في قراءة القرآن الكريم والتبرّك به هي «التفكّر» فيه: ﴿وَأَنزَلنا إِلَيكَ الذِّكرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيهِم وَلَعَلَّهُم يَتَفَكَّرونَ(النحل، 44). ويختلف التفكر عن التدبر في أن «التفكّر تصرف القلب في النّظر بالدلائل»[15].

والتّدبّر هو –إذن- يأخذ بعين الاعتبار كلّيّة النصّ، وكذلك اختراقه للماضي والحاضر والمستقبل من تاريخ الإنسان. ذلك لأنّ له ظُهورًا (جمع «ظَهْر») وداخل كل ظهر ظُهورًا، وله بَطْن وله داخل كلّ بَطْنٍ بُطون. وبكلّيّته التعددية، المعقّدة، المتراكبة، المتداخلة، المترابطة، هذه، يهيمن على الشهادة والغيب، على كل التاريخ البشري، ممَّا قَبل آدم (لما كان رسول الله صلى الله عليه وآله، وأهل بيته عليهم السلام، آباءً لآدم عليه السلام).

 

القرآن الكريم فضاءٌ غير نهائي متعدّد السّطوح:

القرآن الكريم ليس «سَطْحًا» (بلغة علم الهندسة)، بل هو فضاء متعدّد «السّطوح» و«الخطوط» و«المستويات» و«الأجسام». وهذه «السّطوح» ليست كلها فوق بعضها بالتوازي، بل تخترق بعضها بشكل عجيب، غير نهائي. أليسَ ذلك الكتاب إحداث الله تعالى، المبدع، ولا مُبدع غيره، بالأصالة، الحكيم ولا حكيم غيره، بالأصالة.

ويمكننا أن نحاول اصْطفاء مسطّح وحيد من القرآن الكريم، قد يخترقه مسطّح آخر يصْطفيه متدبّر أو متفكّر آخر. ويمكننا أن نكتفي باصْطفاء خطّ وحيد، أو خط في علاقة مع خط آخر، أو أن نكتفي باصطفاء مستوى وحيد، أو مستوى متوازٍ مع آخر أو آخَرَيْنِ. ويمكننا اصطفاء جسم وحيد، أو جسميْن، أو ما شئنا من الأجسام القرآنية متوازية أو متخارقة.

كما يُمكننا أن نصطفي، حسب قدرتنا وحسب ذكائنا، وحسب إيماننا، فضاءًا مجتزءًا من هذا الفضاء القرآني الهائل غير النهائي. وقد يكون الفضاء الجزئي مفهومًا قرآنيا («الكَنْزُ»، «الإيلاف»، «الاستكبار»، «الاستضعاف»، «الإيمان»، «العدل»، «القِسط»، «التوحيد»، «النبوة»، «الرسالة»، «الإمامة»…)[16]. وقد يكون الفضاء الجزئي «سُورة»، وهنا نَطمئن نِسبيًّا إلى قدرتنا على اصطفاء فضاء شبه مكتَمل واقعيا، لأنه «سُورة» أي فَضاء مُسَوَّر تَوقيفيّا، وليس قَضاءًا نحن الذين نضع له حدودًا حتى نَفْصِله افتراضيًّا عن فضائه الكلي.

إنّه فضاء عميق، عميق، متداخل، متخارِق يمتص كلَّ بحارنا ولا تمتصّه. ﴿قُل لَو كانَ البَحرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبّي لَنَفِدَ البَحرُ قَبلَ أَن تَنفَدَ كَلِماتُ رَبّي، وَلَو جِئنا بِمِثلِهِ مَدَدًا(الكهف، 109). يقول الإنسان الأكمل، صلى الله عليه وآله، عن القرآن الكريم: «له ظَهْرٌ وبَطْن، فظاهرهُ حِكْمَةٌ وبَاطِنه علم، ظاهرهُ أنيقٌ وبَاطِنه عَميقٌ، لاَ تُحْصَى عجائبه ولا تبلى غرائبه»، وهنا يواصل الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله لِيَهَبَنَا كيفية التعامل مع هذا الكتاب الأعظم: «فَلْيُجِلْ جَالٌ بَصَرَه، وليَبْلُغْ الصفة نظره، فإن التفكر حياة قلب البصير، كما يَمشي المستنير في الظلمات بالنور، يحسن التخلص ويُقِلّ التربص»[17].

إن النبي الكريم، صلى الله عليه وآله، العالم الأكبَر بهدية الله تعالى للبشرية: «إن للقرآن ظهرا وبطنا، ولبطنه بَطنا إلى سَبْعة أبْطُن أو إلى سبعين بَطنا»[18]. ومَهْمَا مَدَدْتَ يَدَك، أو يَدَيْك، لتُمسك بشيء من هذه الهديّة، الأعظم، فإنك رابح، مُفلح، غانم، فقد سهّل لك الله الكريم المنّانُ الإمساك بأي من تلابيب القرآن الكريم، وبإمكانك أن تطلب وسيُعطيك الكريم أكثر ممّا ترجو، وسيمدّ يَديْك أكثر فأكثر: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ؟!(القمر، 17). ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّـهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا(الطلاق، 4). ﴿فَإِنَّما يَسَّرناهُ بِلِسانِكَ [فلا أيسر من اللغة العربية حسب الله تعالى لتسهيل فهم الإنسان للقرآن الكريم] لِتُبَشِّرَ بِهِ المُتَّقينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَومًا لُدًّا(مريم، 97)؛ ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (58) فَارْتَقِبْ [أي خطّطْ واجْعَلْ سَوْقًا لحركتك التاريخية] إِنَّهُم مُّرْتَقِبُونَ (59)(الدخان).

إنه كتابٌ مَفْتُوحٌ للجميع، وهو مفتوح لمن سَمَّاهم الرسول صلى الله عليه وآله «المتعمِّقون»[19]. يقول سيدنا روح الله الموسوي، رضي الله عنه وأرضاه: «القرآن الكريم خلاصةٌ مِنْ جميع الخُلُق وجميع الخُلُق التي يجب أن تتمّ في البعثة. [وهو] بساط مفتوح قد بسطه الله عزّ وجلّ بواسطة نبيه، صلى الله عليه وآله، بين البشر، يستفيد منه جميع البشر، كلٌّ بحسب قابليته. إن هذا الكتاب، هذا البِسَاط المفتوح في الشرق والغرب، منذ زمن الوحي وحتى القيامة. إنه كتاب يستفيد منه جميع أفراد البشر: العامّيُّ والعالمُ، والفيلسوف والعارف والفقيه»[20]. لقد نزل هذا الكتاب/الهدية، من فضاء الغيب إلى فضاء الشهود، فأنزل لنا الكريم كتاب السعادة الإنسانية، مُتَنزِّلاً فيه «من ذلك المَقام، ووصل إلى المكان الذي نستطيع مِنه. ففي الوقت الذي توجَد فيه مَسَائل تختص بالعلماء الكبار والفلاسفة والعرفاء العِظام والأنبياء والأولياء، فإن بعض مَسَائله (…) سياسية واجتماعية وانتحالية وعسكرية وغير عسكرية، في هذا الكتاب (…) وهناك العديد من الآيات التي في متناول الجميع، وليحركوا أذهانهم، ويوجِّهوا أفكارهم، لكي يستفيدوا من مَسَائل الحياة، حياة هذا العالَم والعالَم الآخر»[21].

ويتأسف روح الله الموسوي، رضي الله عنه وأرضاه، من أن الاستفادة من القرآن الكريم لدى المسلمين ما زالت ناقصة، ويدعو الجميع، وليس المتخصصين فحسب، إلى التدبر والتّفكّر في الكتاب المقدّس: «آسف لأننا لم نستطع، ولم يستطع البشر، ولا علماء الإسلام، أن يستفيدوا من هذا الكتاب المقدّس كما يجب. فعلى الجميع أن يحرّكوا أذهانهم ويوجّهوا أفكارهم نحو هذا الكتاب العظيم، لكي يستفيد الجميع من هذا الكتاب (…) ولقد جاء القرآن الكريم لتستفيد منه جميع الطبقات، كلٌّ حسب قابليته»[22]. فمِنْ حقّي، أنا الإنسان الضعيف، الجاهل بالدّين وعُلومه، بل من واجبي قرآنيّا وسُنِّيًّا، أن أنظرَ في القرآن الكريم، بما أستطيع، لأنّ الله تعالى وَعَدَني بالتيسير، ولنْ يُخلف وَعْدَه مُطْلَقا؛ وأنا واثقٌ، رغم ضعف إيماني وإسلامي، أنه سيبْسُطُ يدي القاصرة، القصيرة، المُرْتعشة، لتنْهل أكثر ممَّا أرجُو، من كَوْنه / فضائه، المُتّسِع باستمرار[23]. قال لي: «تدبَّرْ! اِدَّكِرْ! تفكَّرْ في القرآن الكريم!». وأنا – أحببْتُ أم كَرَهتُ- عليَّ أن أستجيب: ﴿استَجيبوا لِلَّـهِ وَلِلرَّسولِ إِذا دَعاكُم لِما يُحييكُم(الأنفال، 24). ولكنْ عليَّ، أن أجْتَهِدَ، وُسْعِي، في توفير المنهج المناسب والوسائل المناسبة، من أجل النّجاح أكثر في هذه المهمة اليسيرة / الصعبة. فهي يسيرة، لأنّ الله تعالى، وهو الخبير، قال إنها يسيرة. وهي صَعْبة، لوجود الحجُب الفردية، والجماعية الغالبة على الفرد، مِنْ أهواء، وإسقاطات، ومَقُولات مألوفة منذ زمان بعيد قد تكون خاطئة؛ كما أنّني مضطرّ لأصطفي فضائي القرآني لكي أيسّر على نفسي مهمّتي.

لا بدّ لي مِنْ مَنْهج ومِنْ اختيار وسائل. وسوف لن أخافَ من اصطفائي السُّورَةَ فضاءًا قرآنيا، لأن كل فضاء قرآنيٍّ جزئيٍّ ينطق بكل فضاء قرآني آخر، بل بكل الفضاء القرآني الوسيع، بل لأنَّ الله تعالى جعل السورة فضاءًا قرآنيا مُسَوَّرًا، توقيفيًّا، وذلك لكي يسهّل عملية الالتقاط التدبّري.

يقول سيدي، روح الله الموسوي، قدَّسَ الله سرّه وأعلى مقامه العالي لدى رسوله وأهل بيته، صلى الله عليهم، إن من الحُجُب التي تمنع «الاستفادة من هذه الصحيفة النورانية الاعتقاد بأنَّ لا حقَّ لأحد أن يستفيد من القرآن الكريم غير ما كتبه المفسّرون. وقد اشتبهوا بين التفكر والتدبر في الآيات الشريفة والتفسير بالرّأي، الممنوع. ولقد أفرغوا القرآن الكريم بواسطة هذا الرّأي الفاسد والعقيدة الباطلة من جميع فنون الاستفادة وهجروه كلّيّا، بينما لا ترتبط الاستفادات الأخلاقية والإيمانية والعرفانية مطلقا بالتفسير، لكي تكون تفسيرًا بالرّأي»[24]. ويضيف إن النظر في القرآن الكريم إذا كان متطابقا «مع البرهان العقلي القوي، أو مع الاعتبارات العقلية الواضحة»[25]، ليس تفسيرًا بالرّأي، إذا كان الفهم العُرْفي مخالفا للبُرْهان.

وهو، رضي الله عنه، يحتمل «أن يكون التفسير بالرّأي يرجع إلى آيات الأحكام حيث تقصر الآراء والعقول عنها، [بحيث] يجب أن تؤخذ بالتعبد المَحْض والانقياد من خُزّان الوحي ومَضابط ملائكة الله، عليهم السلام، فحسب»[26].

لقد طالبَ مُحيينَا جَميعًا، في العصر الحديث، سيدنا روح الله الموسوي، رضي الله عنه وأرضاه، مِنَ الجميع، من علماء الدين و«المفكرين»[27] الاشتغال على أيّ «بُعْد من الأبعاد الإلهية لهذا الكتاب المقدس. وليحملوا الأقلام ويحقّقوا رجاء عاشقي القرآن الكريم، وليصرفوا أوقاتهم على الأبعاد السياسية، أو الاجتماعية، أو المعاشية، أو العسكرية، أو الانتحالية، والحرب والسلام، في القرآن الكريم (…) فهذا الكتاب مصدر كل شيء، من العرفان والفلسفة، من الأدب والسياسة (…) أيقظوا الحوزات والجامعات للالتفات إلى شؤون القرآن الكريم وأبعاده المختلفة جدًّا (…) حتى لا تندموا في أخر عمركم عندها يهاجمكم ضعف الشيخوخة على أعمالكم وتتأسفوا على أيام الشباب»[28].

واستجابةً لسيّدي الذي أحْياني، وما كُنتُ لأكون، لولا أن الله تعالى يَسَّرَهُ لنا ولي، فتشبّثتُ، أنا الطفل الصغير جدًّا، القصير جدًّا، بشيء من حِذَائِه الطاهر، كان عليّ أن أختار من فضائي القرآني الوسيع، الجميل كله، الجذاب كله، حتى أيسّر على نفسي لأختار فضاء «الجِسم» الاجتماعي-التاريخي أساسًا.

لقد كان سيدي، محمد باقر الصدر، رضي الله عنه وأرضاهُ، الذي أحياني، كما أحياني سيدي روح الله الموسوي، رضي الله عنه وأرضاهُ، مدشنا للنظر في الفضاء الاجتماعي-التاريخي، وقد سَمَّاهُ «مجال سُنن التاريخ»[29]. وقد أكَّد، أن القرآن الكريم باعتباره «كتاب هِدايةٍ وعمليةِ تغيير»، كان من الضروري أن «يتحدث مع البشر، في ضعفه وقوته، في استقامته وانحرافه، في توفر الشروط الموضوعية له وعدم توفّرها»[30]. فالبحث في الفضاء الاجتماعي-التاريخي للقرآن الكريم «مرتبط ارتباطا عضويّا شديدًا بكتاب الله تعالى، بوصفه كتاب هدًى، بِوَصْفِه كتاب إخراجٍ للناس من الظلمات إلى النّور، لأن الجانب العمليّ من هذه العمليّة، أي الجانب البشري والتطبيقي من هذه العملية، جانب يخضع لسنن التاريخ. فلابد –إذن- أن نستلهم، ولابد –إذن- أن يكون للقرآن الكريم تصوّرات وعطاءات في هذا المجال، لتكوين إطار عام للنظرة القرآنية والإسلامية عن سُنن التاريخ»[31].

لكنَّ، مولانا محمد باقر الصدر، رضي الله عنه، يُنبّه إلى أننا يجب أن لا ننتظر من القرآن الكريم أن يتحوّل إلى «كتاب مدرسيّ في علم التاريخ وسنن التاريخ، بحيث يستوعب كل التفاصيل وكل الجزئيات حتى ما لا يكون له دَخل في مَنطِق عملية التغيير التي مارسها النبي، صلى الله عليه وآله»[32]. فهو كتاب هِدَاية، وإخراج من الظلمات إلى النور، وضمن ذلك «يعطي مقولاته على الساحة التاريخية»[33].

 

المَنهج والوسَائل:

  • لكي أدخل الفضاء القرآني الوسيع، ينبغي أن أتمثَّل قَدْرَ طاقتي الاستيعاب المحمّديّ (وأقصد استيعاب محمد، صلى الله عليه وآله، وأهل بيته) للقرآن الكريم، لأنّ أهل الذكر بما فيه: ﴿فَاسأَلوا أَهلَ الذِّكرِ إِن كُنتُم لا تَعلَمونَ(الأنبياء، 7).
  • سوف لن أستغني عن اللغة العربية، ذلك اللسان «المُبين»، أي القادر على الإبانة والتدبّر والتفكر، أكثر من بقية اللغات حسب الآية 195 من سورة الشعراء. وإنْ كان للقرآن الكريم مصطلحيته الخاصة، فقد تمثّل القرآن الكريم اللسان العربي، ولكنه أعاد صياغته ووحّده بعد أن كان لهجات غير متعارِفة أحيانا، فجعلها متداخلة، متخَارِقة، أعظم وأكثر إبانة من ذي قَبْل، وصَنَعَ مَفْهَمَاتِه الخاصة، فجدّد العربية وجعلها اللغة العالمية الخالدة، الوحيدة.وبين هذين المستويَيْن، التمثل وإعادة الولادة، ينبغي أن أتحرَّك.
  • سوف لن أستغني عن التفسير التجزيئي، ولا اللغوي-البلاغي، ولا الفِقهي، ولا الآثاري، ولا الفلسفي، ولا العِرْفاني، ولا تفاسير العلوم الإنسانية، ولا التفسير الاعتقادي[34]، ولا التفسير الأدبي… فكلها، مَبْدَئيًّا، سياحة في «مستوى» من مستويات «الفضاء» القرآني، أو «خط» من خطوطه، أو «جِسم» من أجسامه، العظيمة، الجليلة، البَدِيعة، الناهضة بالإنسان.

وليس دَورِي أن أناقش المفسرين، فلستُ مفسّرا، بل أن أجْمَعهم فأسألهم، وأوظِّفُ كل فُهومِهم لأنشق بينها وأؤلف بينها جميعا. ولن أجادلهم، فهو أرفع مني شأنا، فأنا النملة وهم الجبال الشامخة. وهدفي ليس المناقشة، وإنما الاستفادة، لتقريب الحياة من القرآن الكريم، وتقريبه من الحياة. فلن أناقش إلا للضرورة القصوى.

  • سوف أستنطق السورة الكريمة، بالنبي[35]، صلى الله عليه وآله، وأهل البيت، عليهم السلام، وبما يتيسّر لي من وسائل، لأجعلها تُفصح عن «مَوْصُولها» لأن القرآن الكريم كُله «كلام موصول بعضه ببعض»، كما قال سيدنا الإمام علي، عليه السلام[36]، وما ينطبق على الكل ينطبق على «الجزء». ولن ألتجئ إلى آيات من سُور أخرى، إلا للضرورة، ولن أقرن بين سُورَتين، أو أكثر، إلا إذا اكتشفتُ توقيفيًّا أو عقليا أن السورتين كيان سُوري واحد، كسورتي الفيل وقريش، أو سورتي الضحى والشرح، كما جاء في نصوص النبي وأهل البيت عليهم السلام.
  • سألتزم بمصطلحية القرآن الكريم، التزاما مطلقا، وسأستنطقه لأستخرج مَفْهَمته لهذه المصطلحية الخاصة. فقد كان مُصِرًّا من أوّل آية إلى آخر آية، على رِبْعَتِهِ الاصطلاحية، مغيّرا مضامين المصطلحات كما في اللغة العربية العامة.
  • سأحاول أن أستنطق القرآن الكريم، لا عن الماضي من أجل الماضي، بل لأفهم المستقبل والحاضر، لأخطط لهما فأساعد على التحكم فيهما، ولو بنزر يسير، وإلا فسيكون ما تناوله القرآن الكريم من ماضٍ لا قيمة له.

وسأحاول استنطاقه، قدر طاقتي، عن السيرة النبوية الشريفة، فهي المؤرخ الأمين، الأكثر أمانة، لأعظم إنسان، الذي يجب أن يكون قدوة كل إنسان، ولذلك ينبغي أن يؤرخ له القرآن الكريم بوضوح ودقة. فإذا فهمت نبيّي، وعرفته، عرفتُ إمام زماني حتى لا أموت ميتة جاهلية، أي إذا عرفته عرفتُ حاضري ومستقبلي.

وسأحاول استنطاقه عن المستقبل البشري، فالقرآن الكريم الذي يضع نفسه مهيمنا على مستقبل البشر، من غير المعقول أن لا يتناول المراحل المفْصَلِية من صراع الأطروحة المحمدية الشريفة، بعد وفاته الظاهرية، صلى الله عليه وآله (طَوْر الإمام علي، طَوْر الإمام الحسن، طور الإمام الحسين، طور الإمام السّجّاد، طور الإمام الباقر طور الإمام الصادق طور الإمام المهدي، عليه السلام). ومِنْ غير المعقول أن يكون طور المهدي عليه السلام و«الصالحين»، أتباعه، كما سمّتهم سورة الأنبياء في آيتها الـ105، ولا يتناول القرآن الكريم هذا الطور. ومن غير المعقول أن تكون لحظة كربلاء العظيمة، بتلك الضخامة والأهمية، ولم يتناولها القرآن الكريم.

ومن غير المعقول أن يكون صراع الخير مع الشر، بتلك القسوة الطاغوتية، ولا يجعل القرآن الكريم سَوْقا دقيقا من أجل الانتصار الإنساني النهائي على الظلم والجور والظلمات. فمن حقّي، بل من واجبي، أن أعمّق نظري في هذا الاتجاه.

وكيف يكون القرآن الكريم خيرًا لي إذا لم يُجبْني، بفضائه المُوسَع الذي يمتص كل البحار، عن مشكلات عصري ومستقبل البشرية، الرئيسة، فيمنحني تطبيقاته التي لا تنتهي، لأنها من وسيع الرحمات وعظيم البركات، الذي لا يضِنُّ على الإنسان: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ(غافر، 60)، وحاشاه أن يُخلف وعده، إلا إذا قصّرتُ في الدعاء أو منهجية الدعاء ووسائله، أو أوْغلْتُ في مَعَاصيَّ وركوني إلى دُنيا الشر لا دُنيا الخير.

  • سنحاول هنا استنطاق السورة والآية مستأنسين بآيات من السورة نفسها وأحيانا من سور أخرى وقولنا سيكون مستندا في كثير من الحالات إلى تدبر النبي وآل بيته، أهل الذكر، وإلى القاموس اللغوي وإلى مُتَعَمِّقتين عدة.

وقولنا ليس «على نحو الجزم وليس أنه هو المراد لا غبر إذ أن مثل ذلك هو من التفسير بالرأي” المنهي عنه فما نقدمه هو «ما يصله نظرنا فَنَقُولُه على نحو الاحتمال»، فقولنا، إنما يراعي شروط اللغة العربية وعلوم القرآن وعلوم الحديث، إلى حد بعيد .

والمنهج الاحتمالي هو تجسيد عملي «لمقتضيات تعدد البطون القرآنية» إضافة إلى الظواهر القرآنية. وله مبرراته الشرعية، وأثر ايجابي «في الإعانة على فَهْم البطون الأخرى للظواهر القرآنية، إذ أن للجزم في طرح تفسيرٍ ما آثارا سلبيةً في تجميد الذهن عليه وإغلاق أبواب التدبر، وَلَوْ لا شعوريًّا كما أن هذه الميزة تجعل لهذا المنهج تحقيقا علميا بعيدا عن تحميل الآراء على المنطوق القرآني» .وسنحاول هنا أن لا نغفل الجانب العقيدي ولا الأخلاقي ولا الفردي ولا الاجتماعي ولا التاريخي ولا التزامني ولا القيادي ولا المجموعي في رؤيتنا. ولن نَبْلُغ هنا مقدار صاحب المنهج الاحتمالي (روح الله الموسوي)، ولكن لعلنا نكون من الذين «إذا أحبوا قوما كانوا منهم».

وسنتعامل مع أي سورة يقيّض الله لنا إمكانية التدبر فيها على أنها كل يدور حول محور رئيس.

 

        خاتمة:

من حقّي أن أخطئ إذا لم أقصد الخطأ، وإذا سعيتُ جُهدي أن لا أخطئ.

فحتى في حياة المعصوم، من حقي أن أجتهد بين يَدَيْه، بل من واجبه التاريخي أن يتركني أجتهد إذا اطمأنّ إلى أني أخذتُ من عِلمه ما يكفي وأنني تبرّأتُ من معصيتي وهواي، ومن واجبه أن يقوّمني.

فهذا هشام بن الحكم، يناظر بالعراق، لأن الإمام المعصوم، الصادق، عليه السلام في غَيْبَتِهِ المكانية بالمدينة المنوّرة، فيسأله عند مَقْدَمِه عن أطوار مناظراته ليقوّمَها أكثر أو ليشكره عليها[37]، بل إنه يطلب منه أن يُناظر الشاميّ بمَحضره، فيتركه مستحسنًا، حتّى يصل إلى علمه غيبًا بإذن الله تعالى فيُحيله على الإمام الصادق، عليه السلام ليواصل المرحلة الأخيرة من المناظرة[38]، وقد ألّف هشام بن الحكم خمسة وعشرين كتابا[39]، اجتهد فيها، ثم قوّمَها سيدنا الإمام الصادق عليه السلام.

فالويل لي اليوم، إن اجتهدتُ طاقتي، ثمّ لم أجد تقويما من إمام زماني، عليه السلام، ولا من ورثة النبي، صلى الله عليه وآله، وأهل بيته، عليهم السلام، ولا من مفكّري الأمة الأحرار، ولا من المتفكّرين المتدبرين التقاة، رضي الله عنهم أجمعين.

فأسألكم بالله تعالى، الرحيم الرحمان، الكريم المنّان، أن تنقذوا هذه الأوراق من الخسارة وأَنَا أَحْسَبُ أنني أحْسِنُ صُنعا، بأن تفعلوا ما فعل سيدنا الإمام الصادق عليه السلام مع هشام بن الحَكَم، ومع المفضّل بن عُمر الجعفي عندما احتار في جواب عن أسئلة عبد الكريم بن أبي العوجاء.

فإن كان عملي جيّدا، فحسّنوه، وإن كان خسارةً، فأسألكم أن تدعوا لي لحظة بالعفو والغفران من الخالق الرحيم الكريم بجاه محمد وآل محمد… إنه سَمِيع مجيب.

 

الهوامش *********************************

[1] الموسوي (روح الله)، القرآن باب معرفة الله، دار المحجة البيضاء، دار الرسول الأكرم، بيروت 2005، ص 7.

[2] م. س، ص 8.

[3] م. س، ص 8.

[4] م. س، ص 11.

[5] فضل الله (محمد حسين)، من وحي القرآن، ج 1، دار الزهراء، بيروت، 1979، ص7.

[6] م. س، ص10.

[7] الموسوي (روح الله)، م. س، ص 7.

[8] الطالقاني (محمود)، إشراق من القرآن الكريم، ج 1، مؤسسة الهدى، 2000 م، ص 33.

[9] الطّريحي (فخر الدين)، مَجْمع البحرين، المجلد الثالث، ص 299.

[10] م. س، ص 299 أيضا.

[11] الطباطبائي (محمد حسين)، م. س، ص 10.

[12] معرفة (محمد هادي)، التأويل في مختلف المذاهب والآراء، ص 102.

[13] الحيدري (كمال)، أصول التفسير والتأويل، دار فراقد، قم، 2006، ص 121.

[14] م. س، ص199.

[15] م. س، ص 299 أيضا.

[16] ذلك هو «التفسير الموضوعي»، كما بيّنه مولانا، محمد باقر الصدر، رضي الله عنه وأرضاهُ. وهو ضروري، ولذلك اضطررْنا إليه في هذا التدبّر/البحث، كضرورة البحث التجزيئي أحيانا، الذي كان ضرورة توطيئية في كثير من مسارات هذا البحث.

[17] الطباطبائي (محمد حسين)، م. س، ص 10.

[18] م. س، ص 5.

[19] «سُئل علي بن الحسن عليه السلام عن التوحيد فقال: «إن الله عزّ وجل علم أنه سيكون في آخر الزمان أقوام متعمِّقون فأنزل الله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّـهُ أَحَدٌوالآياتِ من سورة الحديد (…)»» (الموسوي (روح الله)، الأربعون حديثا، دار التعارف، بيروت، 2003، ص724.

[20] الموسوي (روح الله)، القرآن باب معرفة الله، ص 19.

[21] الموسوي (روح الله)، م. س، ص 19.

[22] م. س، ص 19.

[23] القُرآن سماء على الأرض، وهو وسيع إلى ما لا نهاية: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ(الذاريات، 47).

[24] الموسوي (روح الله)، م. س، ص 63.

[25] م. س، ص 64.

[26] الموسوي (روح الله)، م. س، ص 64.

[27] م. س، ص 68.

[28] م. س، ص 68 و69.

[29] الصدر (محمد الباقر)، المدرسة القرآنية، المؤتمر العالمي للإمام الشهيد الصدر، قم، 1426 هـ. ق، ص 45.

[30] م. س، ص 51 و52.

[31] م. س، ص 52.

[32] م. س، ص 53.

[33] م. س، ص 53.

[34] أي «التفسير الكلامي»، في الاصطلاح الشائع.

[35] من العجيب أن يَنْطق أفلاطون وأرسطو وكنفشيوس وبوذا، بينما يطالب مَنْ يُسمّون «القرآنيون» بإسكات صوت محمد (ص)، فلاحق لنا في البحث عن حديثه الذي نطق به فعلاً!

[36] معرفة (محمد هادي)، التأويل في مختلف المذاهب والآراء، المَجْمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية، طهران، 2006، ص102.

[37] سليمان (علي)، الإمام جعفر الصادق: أسرار في المثال الصامت، دار المحجة البيضاء، بيروت، 2008، ص208 و209 و211 و213.

[38] م. س، ص210 و211.

[39] م. س، ص209.