الشّلغومي تاجرٌ آخر من تجّار الدين…بقلم محمد الرصافي المقداد

0
128

أعتقد اننا انتقلنا من دكترة نظام متسلط عميل للغرب، وتحديدا فرنسا وامريكا، بعد ثورة شعبية (مدعومة وموجهة خارجيا)، لندخل عالم الحرية والاستحقاقات الوطنية من بابه الضّيق، الذي أثبت أن أفق الشهب وطموحاته أوسع من هذا الباب الذي وجدت طلائع شبابه الثوري نفسها فجأة أمامه ولم يكن لها خيار آخر غير الدخول منه.

وكان الانخراط الشعبي، فيما أرادته دول الخليج بتخطيط غربي أن يقع، ثورة عشوائية منبتّة كالأعشاب الطفيلية، بلا قيادة توجّهها غير ايحاءات قناة الجزيرة، التي تعتبر أولى القنوات العربية المطبّعة من الكيان الصهيوني، ولكي ينجح المخطط ويكون الشعب التونسي نموذج ثورة سهلة للشعوب العربية وقع تهريب بن علي من قصر قرطاج، وهو العسكري الذي لم يتعود على الهروب.

فما الذي يريده الغرب وعملاؤه منّا بعد هذا؟

الغرب بعد دراسة مستفيضة للتونسي، استخلص منها أنه قليل الصّبر، كثير الانفعال، سهل الانبتات من أصوله، مهتزّ المشاعر غير ثابت في مواقفه، وتحمله الدّنيا الى حيث تريد بلا مقاومة، بلا غيرة على دينه ومبادئه – وهذا من اخطر العوارض التي يجب أن تزول منه – خصوصا إذا حرّك الجوع بطنه – باستثناء شرفاء تونس ولا ارى لهم كثرة وسط غابة عبيد الدّنيا – ومن هذا المحصّل بدأت تجربة التغيير الثوري.

وكما نجحت تجربة الثورة الموجّهة فيه، فإنّ احتمال نجاح التطبيع، في سياسات حكومتها المستقبلية مع الكيان الصهيوني سيكون أكبر، حتى مما كان عليه الأمر مع نظام بن علي، ولأجل بلوغ هدف إضعاف التعاطف الجماهيري، وقتل وجدان القضية الفلسطينية في قلوب عموم التونسيين، ويبدو أن معارضة كتلة النهضة، لمسوّدة مشروع قانون تجريم التطبيع، جاء بناء على توصية ملزمة من دول الغرب ( بريطانيا أمريكا)، سمح لقياداتها اللاجئة بأوروبا وأمريكا بالعودة الى تونس، لخوض تجربة السياسة والحكم.  

ومنذ ذلك التاريخ بدأ المشروع الغربي الصهيوني في تدجين الشعب التونسي والسّير به الى التطبيع التدريجي مع الكيان الصهيوني، بدأ من ركن قانون تجريم التطبيع في درج رئاسة البرلمان، ومرورا بسماح شخصيات فكرية وفنّية واقتصادية ورياضية، بالتعامل مع الصهاينة، وغض الطّرف على الوافدين من فلسطين المحتلة (إسرائيل) الى كنيس الغريبة بعنوان السياحة الدينية، وهناك من هؤلاء من ذهب ليتعرف على الاقامة، التي ارتكب فيها الكيان جريمة اغتيال الشهيد خليل الوزير ابو جهاد، ولولا أنّ نتائج الانتخابات الأخيرة البرلمانية والرئاسية، التي لم تكن في صالح جبهة التطبيع، لنعتنا أوفياء القضية الفلسطينية بخيانة المبدأ الذي عرف به الشعب التونسي، الذي اختلطت دماء أحراره بدماء اشقائه الفلسطينيين، على مدى مسيرته النضالية. 

من المؤسف أن يسكت عامة الشعب على هذه السياسة العوراء التي لا ترى الا بعين المصلحة ولا تقيم اعتبارا للثوابت الحقيقة لتونس، والتي لا تنفكّ أبدا عن دينها وعن كرامتها، ومن حكومة المهدي جمعة، الى الحبيب الصيد، الى يوسف الشاهد، بقيت ملفات التطبيع مع الكيان الصهيوني وجرائمها في طي الكتمان وحبيسة التجاهل المتعمّد الذي اراه مخططا خبيثا وسياسة مملاة من دول الغرب التي تحفّز وتشجّع الحكومات العربية والاسلامية على ابقائها مغيّبة عن الرأي العام الشعبي، الى حين استفحال الوباء، وسكوت الحكومات المتخلّية على اعمال التطبيع التي قام بها تونسيون، وصمتها المريب على جريمة اغتيال الشهيد محمد الزواري15/12/2016 وعدم اعطاء ذلك الحدث بعده النضالي الوطني، يدعونا الى التساؤل: الى أي مدى سيتواصل الصمت والسكوت على هذه التجاوزات، وهي بنظر الرئيس الجديد قيس سعيّد خيانة كبرى؟ وهو بنظر آخرين خططوا له وصمموا عليه، بمثابة ضوء أخضر، في دلالته سماح لما قد يحصل من إقدام البعض على الرّفع من نسق التطبيع، والوصول به الى إقامة علاقات دبلوماسية مع العدوّ الصهيوني، إذا أفرغ الشعب التونسي من عاطفته وقيمه، وديس عليها بأعذار المساعدات المالية والاقتصادية – الهبات والقروض- المشروطة التي يقدمها الغرب. 

فيما مضى انخرط في اعمال التطبيع مثقفون وفنانون وأكادميون، فلم نسمع بشيخ تونسي اقدم على ذلك، الى جاءنا من خبر هذا المدعو حسن الشلغومي مزدوج لجنسيتين الفرنسية والتونسية، وقد تناقلته وكلات الانباء العالمية في دعاية مجانية، وهو يصافح ويعانق جنودا صهاينة معبّرا بالقول أن (إسرائيل) لا تعادي المسلمين بل تعادي الإرهابيين، متجاهلا كتاب الله في قوله: “انّ أشد عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا” ولا ملتفت لسيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم المخبرة عن غدر اليهود، وعدائهم للمسلمين، ولا جاءه من أخبار التعاون الوثيق بين الكيان الصهيوني والجماعات الإرهابية، على حدود الجولان المحتل، في استقبال جرحاها ومعالجتهم في مشافيها، ودعمها في هجماتها الى الجيش السوري بقصف مواقعه.     

يبدو أنّ الشلغومي لا يعيش حياة طبيعية في مقره بفرنسا، بسبب مواقفه الشّاذة عن إجماع المسلمين بشأن قضاياهم المصيرية وفي مقدّمتها فضية فلسطين، فهو يحضى بحماية أمنية فرنسية منذ سنة   2013 ، مما يلقي على شخصه وعلاقاته شبها أخرى، تصبّ كلها في خانة العمالة المزدوجة، وخيانة مبادئ الإسلام في البراءة من أعدائه.

زيارة الشلغومي إلى الكيان الصهيوني، عمل على نشر صورها وبعض تفاصيلها، المتحدث باسم جيش الاحتلال (أفيخاي أدرعي)، لم تَفُتْ المشرفين على قنواتنا التونسية، بتعمد لا نشك فيه أبدا قامت باستضافة هذا العميل على قناة نسمة أولا، ثم ظهر على قناة الجنوبية، وصاحبها محمد العيّادي العجرودي، وهو من رجال الأعمال التونسيين، الذين لهم دور في تنفيذ أجندات إماراتية سعودية، كما صرّح بذلك النّاطق الرسمي باسم الحملة التونسية لمناهضة التطبيع، كما عبّر  عضو النقابة الوطنية للصحفيين مهدي الجلاصي، عن استياء النقابة، من الظهور المتكرر لحسن الشلغومي، على القنوات التونسيّة، وأنّ السماح لشخصية متصهينة بالظهور في وسائل إعلام محليّة أمر غير مقبول وخطير”. 

ظهور عميل اصطبغ سلوكه بالتطبيع المشين، في أسوأ مظاهره وأحقر تصريحاته، بشأن جيش الاحتلال الصهيوني وحكومته، مقدّما لبرنامج ديني، يعتبر تحدّيا لمشاعر أحرار تونس وحرائرها، وجرحها في شهر رمضان المعظم، وتعويدا عليهم بمشاهدة هذه الوجوه النّكرة والشّاذّة، تدخل عليهم بيوتهم عبر شاشات التلفزيون، حيث لا طريق آخر يسلكونه وقابل للإستمرار غيره، فلو ظهر هذا النّكرة على منبر أيّ مسجد لأنزلوه منه، وللقّنوه درسا في أدب الوفاء للقيم والمبادئ الإسلامية، وليس مجرّد التغريد بها كالببغاء السّيء. 

كل ما نرجوه من حكومتنا الحالية، بقطع النظر عن مكوناتها الحزبية، والتزاماتها الدّولية أن تنظر بعين الاعتبار إلى التزامات شعبنا المبدئية، الدينيّة منها والأخلاقية والوطنية، بشأن بقائنا على مبدئ مناصرة القضية الفلسطينية، ومؤازرة شعبها الذي هو شقيق الشعب التونسي، تربطه به أواصر  دين وعرق ومستقبل، فلا يعقل أن نسقط أيدينا من فلسطين، بهؤلاء النّكرات وأساليبهم المقرفة الجالبة للعار، ننتظر تحقيق خطوات حكومية جريئة، لوقف قذارات تسوّد صفحة النضال التونسي الفلسطيني.