نصر الله..نصر من عند الله…بقلم السفير منجد صالح

0
99

لا أزال أذكر بكل وضوح وكأنه حصل بالأمس القريب منظر “بسطار” عسكري لجندي إسرائيلي “مدمول” بالدماء وبقيّة من رجله المُحطّمة، المُنفصلة عن جسده، ملتصقة داخل الحذاء العسكري، بفعل صاروخ أطلقه رجال حزب الله على قاعدة عسكرية إسرائيلية في شمال فلسطسن المحتلّة، شمال إسرائيل، خلال عدوان إسرائيل على لبنان عام 2006.

وقد قُتل في هذا الهجوم الصاروخي 12 جنديّا إسرائيليا. وكان هذا “المشهد” من المناظر المصوّرة التي تعلق بالذاكرة إلى جانب قنص المقاومة اللبنانية لدبّابات الميركافا الإسرائيلية في وادي الحجير وعلى الهواء مباشرة.

كيف كان صاروخ حزب الله المضاد للدبابات ينطلق على أيدي “الشباب” المُلتزم الثائر، فتتحرّك في لمح البصر كتلة من اللهب، تتلوّى في مسيرتها البرقيّة، وتصبّ مباشرة في جسم الدبّابة فتفسّخها وتحطّمها وتحرقها ولا ينجو منها من جنود الإعتداء أحد إلا من كان قد إستبق “عناق” الصاروخ مع الدبّابة، وحذف نفسه وروحه من الكتلة الفولاذية، الممهورة بنجمة داوود السداسيّة، قبل العناق القاتل.

منظر آخر لكن معاكس مناقض مؤلم دموي مُحزن. طائرات مروحيّة إسرائيلية حاقده، يقودها لصوص الجو الإسرائيليين، تظهر فجأة في سماء جنوب لبنان، يوم 16 شباط 1992، وتطلق صواريخها الموجّهة الحاقدة على موكب سيارات، موكب السيّد عباس الموسوي، أمين عام حزب الله، إثرعودته من أحتفال بذكرى إغتيال الشيخ راغب حرب أقيم في قرية جبشيت، في جنوب لبنان.

ذهب السيّد عباس الموسوي الى الجنوب ليؤبّن ذكرى شهيد سبقه فأصبح هو ذاته شهيدا. شهيد يؤبن شهيدا.

وقد خلفه في أمانة حزب الله حسن نصر الله.

حين إغتيال الشهيد عباس الموسوي، ربما إبتهج الصهاينة لهذا “الإنجاز”، أو على الأكيد أنّهم إبتهجوا و”فركوا” أكفّهم سرورا وحبورا وخيلاء وغطرسة، فهذا هو ديدنهم، وهذه هي عادتهم. وربما إعتقدوا أنّهم بهذا الإغتيال سيُضعضعوا صفوف حزب الله و”سيُفسّخوا” وحدته وفعاليّته وقوّته.

لكن خاب ظنّهم ورجاءهم وإعتقادهم ومرادهم ومقصدهم، فقد بزغ إشعاع الأمين العام الشاب الجديد، حسن نصر الله، من وسط هالة نور الشهادة، وحلّق بالحزب في سماء المجد والإستعداد والتضحية، فتضاعف عدد مقاتليه الأشداء الأفذاذ، وتسلّحوا الى جانب الإيمان بالله العلي القدير بكل وسائل وأسباب القوّة والمنعة، “ترهبون به عدو الله وعدوّكم”، وجعلوا من لبنان الصغير بمساحتة وحجمه، كبيرا برجاله ومقاومته، حصنا منيعا “مُسيّجا” بسواعد ترفع قبضاتها الفولاذيّة في عنان السماء، تُزيّن الرايات الصفراء، خفّاقة متموّجة في وجه الريح معلنة “إقامة الحصن بين رصاصتين”، وبأنّ “زمن الهزائم قد ولّى وجاء زمن الإنتصارات”.

حسن نصر الله هو الرجل الذي قال على إثر إستشهاد هادي، ابنه البكر، في مواجهة بطولية مع المحتل الإسرائيلي: “إنّي أشكر الله على عظيم نعمه أن تطلّع ونظر نظرة كريمة الى عائلتي فاختار منها شهيدا وقبلني وعائلتي أعضاء في المجمع المبارك المُقدّس لعوائل الشهداء الذين كنت عندما أزورهم اخجل أمام اب الشهيد وأم الشهيد وزوجة الشهيد وسأبقى اخجل أمام هؤلاء”.

والذي قال سماحته مخاطبا العدو: “نحن لسنا حركة أو مقاومة يُريد قادتها أن يعيشوا حياتهم الخاصة ويُقاتلوكم بأبناء الاوفياء والاتباع والانصار الصادقين الطيّبين من عموم الناس، شهادة الشهيد هادي هي عنوان اننا في حزب الله لا نوفّر اولادنا للمستقبل، نفخر باولادنا عندما يذهبون إلى الخطوط الأماميّة ونرفع رؤوسنا باولادنا عندما يسقطون شهداء”.

وفي الأيّام القليلة الماضية سارت ألمانيا على درب بريطانيا في حظر نشاط حزب الله وإعتباره حزبا “إرهابيّا”. ذوو العيون الزرق والشعر الأشقر والبشرة البيضاء الشهباء والناطقون بالإنجليزيّة وبالألمانية “يتكتّلون”، رغم إختلافهم وإختلافاتهم، ضدّ حزب الله ومسيرته النضاليّة ناصعة البياض. “فهل نغضب؟!”. هل نلومهم؟!

أم نلوم أبناء جلدتنا السمراء الحنطية وعيوننا السوداء والبنيّة وشعرنا الأسود الفاحم الأجعد، أبناء عدنان وقحطان والناطقين جميعا بحرف الضاد، لأن العُربان كانوا قد سبقوا الإنكليز و”الجرمان”، في تجمهرهم في الجامعة العربية، قد وسموا ووصموا حزب الله “بالإرهاب” وطردوا “قناة المنار” من على “جنّة قمرهم” الفضائيّة على “نايل سات”.

لكن المقاومة اللبنانية بقيادة نصر الله ما زالت قمرا ساطعا “مُجلّجلا” في سماء المجد والفخار، ونفر منهم، من أبناء الجلدة الحنطيّة، ما فتئوا يدبُّون على الأرض بخطوات السلحفاة في شؤون أوطانهم والعباد. لكنّهم يقفزون كالكنغر في أمورهم الخاصة، شراء اليخوت واللوحات، وكنز الذهب والفضة والياقوت في البيوت والقصور والفيلّات، أمورهم الشخصية وأمور أبنائهم الذين يتوارثون “الألقاب”، ويتوارثون الإذعان والهرولة والجري تلبية لأوامر المستعمر، القديم والجديد، والطاووس الأشقر الجديد والعنيد، وحليفة وصديقه، صديقهم، نتنياهو المُتجدّد الجديد.

ويأتي من بعيد الرأي السديد، من واحد من أبناء جلدتهم، من د. نورمان فنكلشتاين، أستاذ ومحاضر جامعي أمريكي يهودي، مختصّ في العلوم السياسيّة، يُحاضر في طلّابه ويقول لهم: “إن نصر الله هو القائد السياسي الوحيد الذي تتعلّمون من خطاباته، فهو مُعلّم. نصر الله يعلم كل شيء عن المجتمع الإسرائيلي من خلال الإعلام العبري”.

“نصر الله يقرأ كثيرا عن الأعداء، أي الإسرائيليّين، ويبحث عن نقاط ضعفهم كي يقوم بإستغلالها في خطاباته وفضحهم وجلب العار لهم. وحزب الله ما زال موجودا معنا، وهذا هو السبب لكون القوى السائدة في العالم تتآمر عليه، يُريدون تدميره، ليس من منطلق ديني لأسباب دينية، إنّما لأنّه ذكيّ ومختص، وهو يُرعبهم”، على حدّ وصفه.

صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية كشفت مؤخّرا عن أن السلطات الإسرائيلية شكّلت “طاقما” من 15 مختصّا، بين مُحلّل إستخبارات ومستشرق وعالم نفس، لتحليل شخصية السيّد نصر الله، وإعداد “بروفايل” متجدد له. واستند فريق الخبراء هذا إلى جملة معطيات من بينها لُغة الجسد وحركة اليدين وتعبيرات الوجه.

ومن جملة الإستنتاجات التي خلُص إليها فريق الخبراء الاسرائيليّين أن “نصر الله رجل فهيم على نحو مُدهش، لا تبدو عليه امارات خوف من الموت (من الشهادة)، مقتنع بأن له مستقبل، لكن عليه أن يتصدّى للتحدّي الذي يقع عليه”.

نصر الله نصر من عند الله وبإذن الله، يسير علىى هدي السلف الصالح، وهو خير خلف لخير سلف. وما دامت كل هذه الصفات العظيمة موجودة ومجتمعة في رجل واحد، يعترف بها البعيد قبل القريب، الغريب قبل الحبيب، فإن الله ناصره على من عاداه، يسير بخطى واثقة على درب الناصر صلاح الدين.