من الرهان الصحي إلى الانتهازية السياسية!!…بقلم فتحي بوليفه

0
52

منذ الثامن عشر من مارس 2020 بدأت الحكومة التونسية في فرض الحجر الصحي على المواطنين للحد من تفشي فيروس كورونا و إصابتهم بكوفيد 19 و نجح ذلك التمشي، و خاصة العزل الإجباري للحالات المصابة بالفيروس، في الحد من انتشار الوباء في البلاد، مقارنة بدول أكثر تقدما علميا و صحيا، سجلت أعدادا كبيرة من الوفيات. لكن منذ التخفيف الجزئي للحجر الصحي في 4 ماي 2020 و حتى قبل ذلك، أصبحت البلاد تسجل أقل حالات للإصابة بالفيروس في العالم، لا يفوق عددها معدل الحالة الواحدة في اليوم، رغم ما هددت به الهيئة العلمية في وزارة الصحة من تفشي كبير للوباء بعد توافد الجحافل الكبيرة لكبار السن على مكاتب البريد للحصول على المساعدات الاجتماعية في بداية شهر أفريل، و رغم تجدد نفس التهديد بعد التخفيف من الحجر في بداية شهر ماي و توافد أعداد كبيرة على وسائل النقل العمومي و الأسواق في شهر رمضان…

رغم فشل كل توقعات هذه الهيئة العلمية و تحسن الوضع الوبائي بالبلاد، لا تزال وزارة الصحة و من ورائها الحكومة تصر على مواصلة الحجر الصحي، في حين أن أكثر البلدان تضررا من هذه الجائحة على المستوى العالمي، قد بدأت تخفف الحجر عن مواطنيها، خاصة إيطاليا و إسبانيا و روسيا التي سجلت أكثر من عشرة آلاف حالة إصابة جديدة في اليوم الذي سبق رفع الحجر الصحي حتى يستعيد الاقتصاد عافيته و يعيش المواطنون حياة طبيعية أو يتعايشون مع الوباء.

بدأت نظرية تفشي الوباء في البلاد تتهاوى، و أصبح أصحاب القرار في البلاد ينتهزون هذه الجائحة لتحقيق مكاسب سياسية و انتخابية منذ الآن. بدءا برئاسة الجمهورية التي تواصل في حضر التجول الليلي الذي لا طائل منه سوى إراحة الوحدات الأمنية و العسكرية وهو الديدن الوحيد لهذا الرئيس منذ دخوله قصر قرطاج، فهو يقضي الزمن في الثكنات أكثر من مكتبه، اعتقادا منه أن استقرار سلطته يحميه السلاح. حتى أكثر البلدان الديمقراطية تضررا من هذه الجائحة لم تلجأ لذاك الحضر، باستثناء الدول الكليانية المتسلطة كبلدان الخليج و الأردن… في الصف الثاني نجد رئيس الحكومة الذي يباهى في كل مرة بإشادة المنظمة العالمية للصحة ببلادنا في مقاومة الجائحة و قد صنفها مؤخرا ضمن البلدان الثلاثة الأولى الأكثر نجاحا في مقاومة هذا الوباء، و هذا النجاح يعود لحكومته بالأساس، التي قد يتمخض عنها قريبا حزب جديد، إقتداء بسلفه يوسف الشاهد. نستنتج من ذلك أن استمرار الحجر و ما يدّعون أنه مقاومة الوباء يرفع في شعبيتهم السياسية، خاصة لدى شعب “هوائي القرارات” كالشعب التونسي توجه خياراته السياسية وسائل التواصل الاجتماعي، فمثلا لو قمنا اليوم باستطلاع الرأي عن خيارهم لرئيس الجمهورية فلن تتفاجأ إن برزت “نصاف بن علية” في أعلى الاستطلاعات. مع العلم أن هؤلاء أيضا، أقصد أعضاء لجنة مقاومة الوباء بوزارة الصحة، مستمتعين بذياع صيتهم في البلاد و ربما يطمحون لمناصب سياسية. حتى وزيرهم عبداللطيف المكي يعي جيدا أن تواصل انشغال المواطنين بانتشار الوباء يرفع من شعبيته و من ورائه حزبه الذي سيحقق مكاسب انتخابية هامة، و بانتهاء هذا الانشغال يغيب عن وسائل الإعلام و ربما يواجه أزمات كبرى، خاصة في مواجهة النقابات، تطيح بتلك الشعبية التي استمتع بها عدة أشهر.

لا ننسى أيضا أن وزارة الصحة و من خلالها الصيدلية المركزية قد تورطت في شراء ملايين الكمامات التي تسعى لبيعها في السوق و يمثل رفع الحجر الصحي نهائيا كارثة تجارية بالنسبة لها و للمصنعين الذين اقتنوا كميات هائلة من الأقمشة لصناعتها.

نخلص بالقول أن استمرار الحجر الصحي مع تراجع الوباء في البلاد و تهاوي نظريات تدهور الوضع الوبائي بالبلاد بعد خروج عدد كبير من المواطنين و التقارب الاجتماعي، يمس من حقوق الإنسان، خاصة حق التنقل و العيش بحرية. كما أن هذا الوضع يستغله البعض لتحقيق مكاسب و أهداف سياسوية و انتخابوية.