محور المقاومة والتحرّر والمعادلات الجديدة…بقلم غالب قنديل

تعدّدت في الأيام الماضية مصادر البهجة والتفاؤل في المشرق العربي، مع المؤشرات الحاسمة، التي حملتها المواقف والأخبار من سورية واليمن وفلسطين. وقد شخصت العقول والقلوب الى سيد المقامة وحالته الصحية وكلماته الثمينة والمهمة، تضرب موعدا جديدا مع شعلة الأمل بانتصار شامل لقضية التحرّر في المنطقة، ولمحور المقاومة الصاعد، وبالذات ما خصّ به من خطابه فلسطين والمقاومة الفلسطينية.

- Advertisement -

أولا: يتوّج محور المقاومة في المنطقة مسارا من التطور والصمود والبناء ومراكمة الخبرة والمقدّرات، بعد سنوات عجاف، تميّزت بالمرارة، وبالصعوبات الكثيرة، وبتضحيات لا تُحصى، بذلها الناس والطلائع المقاومة الحرّة في بلدان المشرق، لصدّ الغزوة الاستعمارية الصهيونية وفصولها، ولا سيما هجمة التكفير والتوحّش الدموي، التي اجتاحت سورية والعراق، وطالت لبنان. ويمكن القول، بعد كل ما جرى من أحداث خلال السنوات القليلة الماضية، أن انتصار فلسطين على العدو الصهيوني والحلف الاستعماري بقيادته الأميركية والغربية، جاء تتويجا لمرحلة شديدة الصعوبة، من الحصار والعدوان، تعرّضت لها المنطقة ببلدانها وأهلها، وكانت فيها غزوة التوحّش الدموي، هي الأعنف والأشدّ خطورة من سائر مراحل الحرب والعدوان في التاريخ المعاصر. والتعافي، الذي نشهده اليوم، وانحسار هذه الغزوة في سورية ولبنان والعراق، يبدو مؤشرا لمرحلة جديدة، شكّلت بشارةُ النهوض الفلسطيني أهمَّ ثمارها. وليس من المصادفات أن تلقى الانتفاضة العظيمة والمقاومة البطلة حالة شعبية واسعة من التضامن، بعدما ساهمت مباشرة بتضحياتها الكبيرة في فرض مناخ جديد، فكّك سموم الموجة المذهبية والتكفيرية، وأحيا الوعي العربي حول التناقض الرئيسي مع الحلف الاستعماري الصهيوني، وأهمية نبذ الفتن، على قاعدة وحدة الصراع والمصير.

ومرة جديدة في التاريخ العربي المعاصر، توحّد فلسطين، وتَشبك مَن سعى حلفُ العدوان لتمزيقهم بالتضليل والفتن، للسيطرة عليهم، مفرَّقين مُستَلبين، خارج القضايا المركزية والمصيرية لبلادهم.

ثانيا: إن من نعم المناخ الجديد والصحي في الشرق العربي، أن تكون سورية الأبيّة في طليعة التفاعل مع الحدث الفلسطيني قيادة وشعبا، بعدما سعى الحلف الاستعماري الصهيوني الرجعي لضرب التآخي بين الشعبين الشقيقين، اللذين جمعهما تاريخيا ميثاق المصير، والقدر القومي والوطني الواحد، لنجد اليوم كيف امتلأت ساحات دمشق وغيرها من المدن السورية الكبرى بمن يهتفون لفلسطين، وكيف تلقّى الأشقاء الفلسطينيون قادة وجمهورا الموقف المشرّف للقائد بشار الأسد وللدولة الوطنية السورية، بحيث تمّ تحاوز الصفحة السوداء، والترسّبات، التي خلفتها ورطة الضالين في غزوة التكفير والتخطيط الاستعماري الرجعي الصهيوني، لتدمير سورية ودولتها الوطنية، وهو كان شرطا لا بدّ منه لبسط الهيمنة الكاملة على المنطقة، وإخماد كلّ نزعة تحرّر أو مقاومة، وأيّ أثر لآمال الشعب الفلسطيني وأحلامه بالتحرير والعودة.

إن من النتائج العظيمة لما تشهده فلسطين، وللتوقيت، الذي شكّل “صدفة سعيدة” وأصيلة بالمعنى الفلسفي والتاريخي، أنه يضرب لنا موعدا مع مرحلة جديدة ملؤها الإنجازات والانتصارات، بقيادات تحرّرية مجرّبة وراسخة الجذور، ستكون دائما أقوى من التآمر الاستعماري الصهيوني الرجعي، لأنها مُحتَضنة شعبيا ومحصّنة نضاليا.

ثالثا: إن هذا الترابط بين أطراف المحور التحرّري وقوى المقاومة في المنطقة، والسياق العام لحالة النهوض والتضامن الواسعة، يولّد موجة عارمة من التفاؤل والزهو المعنوي في جميع بلدان المنطقة، بقدر ما يفاقم قلق الدوائر الاستعمارية الصهيونية والرجعية. وهذا المشهد يدعو الى التفكير والتخطيط لرسم التوجّهات المناسبة، لاستثمار التحولات المحققة، في إطار خطة شاملة، تأخذ خصوصية كلّ بلد من بلداننا في اعتبارها، لتحقّق، واقعيا، وحدة العمل والحركة النضالية، في سبيل الأهداف القومية الكبرى المشتركة والتطلعات، التي تلبّي حاجات الناس، وتوفّر لهم عيشا كريما أكثرَ عدلا، كما تؤمّن مستلزمات الصمود في مجابهة التآمر الاستعماري، وتوفّر للمقاومين في فلسطين حضنا قوميا دافئا متينا، يمكن الاعتماد عليه. وهذا ما يَفترض إسقاط المعوقات، وتخطّي التحديات، وعملَ كلّ من شأنه أن يسهم في إسقاط الحصار عن سورية، وتحرير طاقات بلدان المقاومة، بما فيها العراق واليمن ولبنان، من العوائق الداخلية والخارجية، لشبكها معا على ميثاق التنمية والمقاومة والتحرّر. فهذا هو الحضن القومي، الذي يتيح دعمُ الشقيق الإيراني فرصة ثمينة لقيامه، ونموّه، ونهوضه في جميع المجالات، ولا سيما اقتصاديا، مع تحرّر إيران من قيود الحصار، وبالتالي ضرب موعد لشعوب المنطقة مع رجاء وقيامة تاريخيين، ستكون فلسطين ومقاومتها أول مَن سينعم بثمارها الوفيرة، لأن هذا الشرق المقاوم هو حضن شعبها ومقاومتها.

سيسعى الحلف الاستعماري الصهيوني وعملاؤه في المنطقة لقطع هذا السياق، ولمنع بلوغ مسيرة المحور المقاوم والاستقلالي في المشرق لأهدافها. ولذلك نقول: إن اليقظة والانتباه لكل شاردة وواردة أكثر من ضروريين، في مثل هذه المرحلة الانتقالية، ومخاضها المصيري.

قد يعجبك ايضا

التعليقات متوقفه