تدبّر طالب التيسير في فضاء القرآن الكريم: تدبر في سورة العاديات

"السَّوْق الضَّبْحيّ لفتح جَمْع العالَم" (مقارَبَة عقلانية لمقاوَمة الاستكبار)

بقلم: د. نعمان المغربي (مختص في علوم الأديان المقارنة، جامعة الزيتونة – تونس)

 

 

§      المقولات المركزيّة:

–      العاديات: سَوْقٌ استجهاديّ متسارع البُؤَر يعتمد الضّبح مِنْ أجْل قَدْحِ الظهور.

–      الضَّبْحُ: هو غاية سَوْقية، تتمثل في تجلّي النجاعة التغييرية التدريجة. كان الضّبحُ

المحمدي-العَلوي يريد اجتثاث الامبريالية الرومية-الساسانية المتوسطة للعالَم.

–      القَدْحُ: هو الإغارة السَّوْقية بغاية بداية صُبْح العالَم، أي بداية تحرر المستضعفين من

الاستكبار.

–      إثارة النَّقْع: التجلّي المِلّي والمَعَاشي للعاديات. تحقيقُ بِدايةِ امتلاء الأرض عدلاً وقسطًا ونقْعًا سعاديّا.

 

 

§      موضوع السّورة المباركة:

السَّوْق المحمدي – العَلَوي لفَتْحِ العَاَلم المُغْلَق على الكُنُود.

 

 

المقدمة:

 

هذه السورة تُقْسِمُ بـ«العاديات»، أي بالفتوحات السريعة التي بدأ بها فتح الإسلام للعالَم الكَنُود، أي البعيد عن العدل والفضيلة، تلك الفتوح/ «العاديات» (بجَمْع العاقل لأنها بداية عَقل العالم). وهي ضَبْحية للعالم: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (العاديات، الآية 1)، أي أنها «ستغير لونه قليلا نحو السواد»[1]، أي نحو القَداسة، فلون الكعبة هو السواد، وهي مَوْلد تلميذ النبي محمد صلى الله عليه وآله، الأوحد، الإمام علي عليه السلام، كرم الله وجهه. لابد من دراسات متخصصة في العلوم العسكرية تطلعنا على السَّوْق الضبحي في الحروب.

تلك الفتوحات ستُورِي قَدْحًا أوليا للعالَم المفتوح أمام بعضه البعض وأمام الله والحق والعدل والفضائل والسعادات، ذلك القدح الذي رآه الإمام علي عليه السلام والمسلمين رمزيا لما ضرب رسول الله الأعظم، صلى الله عليه وآله الصخرة في الأحزاب/الخندق. فقدح الفتوحات العالمية التي أشرف عليها الإمام علي في عهد عمر بن الخطاب، هو مِصداقٌ لقدح الرسول صلى الله عليهما.

ستكون تلك الفتوحات العالمية مُغِيرات (لا «مُغِيرة»، نظرا لعظمتها وعقلها)، إذ سَتُغِيرُ، أي ستكون «سريعة»[2]، لا في مدتها فقط، بل في أساليبها وسَوْقها أيضا، و«تَدْخُل منخفض الأرض» أي ستُغير على عالم الشر المنخفض الذي غار قرونا، لإدخال العالم «غَوْر العقل»[3]. والأهم أنها ستدخل بلاد «غَوْر» وهي بطرف خراسان، لتكون خراسان قلب العالم و«إمام الأرض» في قرن لاحق.

فهذه الفتوح ستكون سريعة ذات نجاح منقطع النظير في تاريخ الحروب، ببركة بشارة الرسول منذ بدايات الدعوة في مكة، وببركة دعائه وتأكيده على الإمام علي في إمضاء ذلك. فستكون تلك الفتوح «صُبْحا» ضمن سَوْق علوي فاهم، واع للخطوط المحمدية العريضة التي سطرها له، فالنبي صلى الله عليه وآله، كان شديد الثقة في «أذن»[4] الإمام، إذا فتح له باب علم شرحه بتسديد من الله إلى ألف باب. وقد كانت تلك الفتوح «صبح» العالم، أي بداية النهار الذي سينجلي تماما على يد ابن النبي والإمام، صلى الله عليهما، الإمام المهدي عليه السلام الذي سيُظْهِر ذلك الصبح/النور على الدين كله.

ستثير تلك العاديات «نَقْعا» أي ستدشن إرواء العالم آية من إرواء أهل البيت للناس: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ [ماء امتلاء الأرض عَدْلاً بعد امتلائها جورا] حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ [سفينة آل محمد4] (11) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ(12) (الحاقة، 11 و 12). فالنّفع هو بداية «ثأر» الله وأوليائه من قتلة الفضيلة والنبوة والعدل على طريق الجارية المالئة للأرض. والمِصْدَاق الأول لـ﴿أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (الحاقة، الآية 12) هو الإمام الأول  (ع)

وهذه الإثارة هي بداية «نقع» العالم: ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (العاديات الآية 4)، لأنها بداية «غُبَار»[5] «الثورة» العالمية على الظلم، وهي بداية «إشفاء صدور قلوب المؤمنين»[6] من غيظهم على الظلم والقهر والطغيان، فهي بداية «إرواء»6 العالم و«نقع»[7] الشرِّ البشري الطويل أي قتله وزهقه نهائيا على الإمام المهدي عليه السلام.

تلك الفتوح/العاديات في «صبح» انتشار الرسالة المحمدية الضامنة لسلام العالم هدفها توسط الجمع العالمي: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا، أي تَوَسُّط خريطة العالم: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا (البقرة، 143). ولذلك رفض الإمام علي فكرة الخليفة عمر احتلال الحبشة لأنها ستُحَرِّفُ السَّوْق المحمدي الوحيد ذا النجاعة من أجل «إثارة النّقع» و«إيراء القدح المحمدي/العلوي»، أيْ بداياتٍ ﴿لِيُظهِرَهُ عَلَى الدّينِ كُلِّهِ(التوبة، 33).

 

موضوع هذه السورة:

 

إنه (العاديات) أي الفتوحات السريعة ذات السَّوْقُ الضَّبْحي التي أعلنها رسول الله صلى الله عليه وآله منذ أن كان في مكة المكرمة، أي منذ بداية البعثة الشريفة، وزادها تأكيدا في معركة الخندق. ففي مَوْلد رسول الله صلى الله عليه وآله «زُلْزِل إيوان كسرى»[8] وخمدت ناره، وزُلْزِل قصر القيصر وكنائسه، وسطع من الوالدة آمنة عليها السلام، نور حتى رأت «قصور الشام»، وقد بشرت سورة «الروم» المكية، رسول الله صلى الله عليه وآله، والمسلمين، بانتصار الإسلام على الظلم الرومي/الغربي: ﴿لِلَّـهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّـهِ(…)(5) (الروم).

لقد أعلم أبو طالب عفيفًا الكندي أن ابن أخيه «صادق» وأنه بشر بانهيار الطاغوت الفارسي والطاغوت الرومي، علاوة على انهيار الجاهلية العربية. ولما عجز المسلمون عن اقتلاع صخرة في يوم الخندق تولاها رسول الله صلى الله عليه وآله، فأوْرتْ قَدْحًا عدة مرات أوَّلَهَا بفتح وسط العالم، فأسَرّ بعض الصحابة المتزلزلين: «يَعِدُنا محمد بكنوز كسرى وقيصر، وأحدنا لا يَقْدِر على الغائط! ما هذا إلا غرور!»[9]، ففضحتهم سورة الأحزاب وأكدت صدق الرسول صلى الله عليه وآله[10].

تلك الفتوحات «ستوري» قدْحا أوليًّا للعالم المفتوح أمام بعْضه البعض، وأمام الله، والحق والعدل والفضائل والسعادات، ذلك «قدح» الذي رآه الإمام علي عليه السلام والمسلمون رمزيا أي في حالته الملكوتية لما ضرب رسول الله الأعظم صلى الله عليه وآله الصخرة في معركة الأحزاب/الخندق، أما قدح الفتوحات العالمية التي أشرف عليها الإمام علي عليه السلام ووضع سَوْقها، في عهد عمر بن الخطاب، فهو المِصْداق التاريخي لقدح الرسول صلى الله عليه وآله، بصخرة الخندق, فقد كان الإمام مؤمنا بوعد الرسول معتبرا إياه وعد الله تعالى: ﴿قَالُوا هَـذَا مَا وَعَدَنَا اللَّـهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّـهُ وَرَسُولُهُ (الأحزاب، 22). فقد بَيَّنَ له الله ورسوله سَوْق فَتْح وَسَط جَمْع العالم: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّـهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ(الأحزاب، 21) وهو أسوة في كل شيء ومنه سَوْق فتح وَسَط جَمْعِ العالم.

هذه السورة تقسم بهذه العاديات الضَّبْحِية، نظرا لضخامة وزنها في التاريخ البشري، إذ ستَضْبِحُ العالم، أي «ستغير لونه قليلا نحو السواد»[11]، أي نحو القداسة، فلون الكعبة هو السواد، والكعبة هي مَوْلِد الإمام علي عليه السلام، فهو بهذا السَّوْق إنما يريد أن يُوَجِّه العالم نحوه، أن نحو رسول الله صلى الله عليه وآله، أي نحو الحق والخير والعدل.

 

1- الرسول (ص) يُعِدُّ قائد العاديات ضبحًا:

 

«الضَّبْح» في سورة العاديات ليس مجرد «ضرب من العَدْو»[12]، بل هي ضرب من السَّوْق العسكري، لابد من انتزاعه من حيثيات هذه الفتوحات والتوجيهات العسكرية للإمام علي عليه السلام.

فلقد كانت غزوة ذات السلاسل مشهدا أراده الله ورسوله، ليكون أمام كل المسلمين أنه هو الأكفأ في كل شيء بعد رسول الله صلى الله عليه وآله حتى في الذكاء الحربي. ولقد ظُلِم الإمام علي عليه السلام، طويلا، حتى لدى مُؤَرِّخي السِّواق العسكرية. والوحيد الذي تفطن إلى أنه «الأبصر» في السَّوْق العسكري كان عبد الرحمان بن خلدون: «وانظر وصية علي، كرّم الله وحهه، وتحريضه لأصحابه يوم صفين تجد كثيرا من علم الحرب، ولم يكن أبصر بها منه»[13]، وساق كلامه الجامع بين التقني والنفسي والجسدي في الحرب: «فسَوُّوا صفوفكم كالبنيان المرصوص، وقدموا الدارع وأخِّروا الحاسر، وعضوا على الأضراس فانه أنبى للسيوف عن الهام، والتووا على أطراف الرماح فإنه أصون للأسِنّة، وغُضُّوا الأبصار فإنه أربط للجأش وأسكن للقلوب. واخفتوا الأصوات فإنه أطرد للفشل وأولى بالوقار، وأقيموا راياتكم  فلا تميلوها، ولا تجعلوها إلا بأيدي شجعانكم. واستعينوا بالصدق والصبر، فإنه بقدر الصبر ينزل النصر»[14]. ولكن ذلك غير كاف لفهم السوق الضبحي الذي أعطى رسول الله صلى الله عليه وآله، عليا عليه السلام، خطوطه العريضة، لتعيها أذنه الواعية فيبدع فيه.

لقد تعلم الإمام علي عليه السلام، السَّوْق الحربي عموما، والسَّوْق المطلوب في الفتوحات خارج الجزيرة العربية، من رسول الله صلى الله عليه وآله، فرسول الله كان أذكى أهل السّوَاق العسكرية على الإطلاق، وهو الذي دَشَّنَ السَّوْق الدفاعي-الهجومي خارج الجزيرة العربية بمعركة تبوك.

يقول الإمام، عليه السلام: «كنا إذا حمي الوطيس احتمينا برسول الله»[15]. وينبغي أن لا نفهم من هذا الكلام أنه، عليه السلام، يجبن أثناء احتدام المعركة فيأخذ بملابس رسول الله صلى الله عليه وآله، وهو الذي فدى رسول الله صلى الله عليه وآله، ليلة الهجرة، غير خائف على نفسه وكان يحرس الفواطم وحده في الطريق ويصارع دونهن الفرسان، وإنما كان التلميذ (أو «عبد» رسول الله، حسب وصف الإمام لنفسه) إذا تعَقَّد الموقف الحربي يحتمي بذكاء رسول الله صلى الله عليه وآله فيفتح أمام عيني الإمام عليه السلام، باب فكره الواسع، فيعيها ويفتح له به الله ألف باب.

لقد عَلَّم رسول الله صلى الله عليه وآله، الإمام عليه السلام، والمؤمنين حقا، جوهر السَّوْق العسكري من خلال التنزيل الحكيم أولا، ومن خلال الميدان ثانيا. فقد أكدت سورة الصف أن «قتال الزحف أشد عند الشارع. وأما قتال الكَرِّ والفَرِّ فليس من الشدة والأمن من الهزيمة ما في قتال الزحف، إلا أنهم قد يتخذون وراءهم في القتال مَصَافّا ثابتا يلجؤون إليه في الكر والفر، ويقوم لهم مقام قتال الزحف»[16]. وهو نوع من القتال «ترتب فيه الصفوف وتُسَوِّى كما تُسَوَّى القِدَاح أو صفوف الصلاة ويمشون بصفوفهم إلى العدو قدما, فلذلك تكون أثبت عند المَصَارع وأصدق في القتال وأرهب للعدو لأنه كالحائط الممتد والقصر المشيد لا يطمع في إزالته. وفي التنزيل ﴿إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ (الصف، 5)، أي يشد بعضهم بعضا بالثبات»[17].

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «الحرب خدعة»[18] وطبقها، وأعادها الإمام عليه السلام عن رَسوله (ص)[19]. وكان الإمام يضيف عقول الآخرين لذكائه، فيستشيرهم في معاركه قبل العزم على خطة محددة، ويقبل حتى الأساليب غير المعهودة وغير العربية؛ كما فعل سيدنا سلمان رضي الله عنه، إذ تبنى فكرة الخندق. وقد استعمل رسول الله صلى الله عليه وآله، عنصر الرعب والإعلام الموجه من أجل الانتصار: «نُصِرْت بالرعب مسيرة شهر»[20].

وقد كان الإمام علي الأبصر بالمعارك وبعلم الحرب ولكي يثبت رسول الله صلى الله عليه وآله، ذلك أمام العالم، اختاره لمعركة السلسلة.

فأهل وادي اليابس «اجتمعوا اثني عشر ألف فارس وتعاقدوا على قتل محمد وعلي عليهما السلام، فنزل جبرئيل[21] عليه السلام، فأخبر بقصتهم، فوجه رسول الله صلى الله عليه وآله، أبا بكر إليهم في سرية بعدها وصاه بأمور فرجع منهزما يجبن أصحابه مخالفا لما أمر به، ثم وجه عمر إليهم كذلك، فرجع منهزما يجبن أصحابه لما أمر به فقال لعلي عليه السلام: (أنْتَ صَاحِبُ القَوْم). فسار إليهم فلما كان وجه الصبح أغار عليهم فأقبل بالغنيمة والأسارى»[22] مصفدين في السلاسل، بعد أن كان أصحابه يظنون أنه في اتجاه آخر؛ وبعد أن أمَرَ بأن تُحبَس الخَيل في الوادي ليلة المعركة ثم أمر بالهجوم فجأة على القوم، فلما كان رسول الله يصلي الفجر نزلت عليه السورة فقرأها. لهذا أقسم الله تعالى بكفاءات الإمام عليه السلام، وقدراته، وأنها نِعَمٌ على المسلمين والمستضعفين بالعالم ليؤكد أن الإنسان المسلم عموما «كَنُودٌ» سيَكْفُرُ بتلك النعم، بتلك «اللآلاء»، بتلك النعمة الكبرى، وتلك «الآية الكبرى»، الإمام علي، لتنقلب عليه وتحرمه من حقه، وحق الأمة في الولاية السياسية ثم الولاية الدينية، ثم يحاصره، ثم يقتله، ثم يحاصر أهل بيته/بيت رسول الله صلى الله عليه وآله ويقتلونهم. كان الكنود لأن علامات كثيرة على تفوق الصِّدّيق الفاروق الأكبر عليهما، وعلى الجميع، ومنها معركة ذات السلاسل ولكنها أُنْكِرَتْ.

 

2- سَوْقُ توَسّط جمع العالم:

 

لقد كان «القرار» (= العزيمة) الرومي-الساساني على استئصال دولة النبي ودينه وقرآنه، «قرار» ذا سَوْق عُبّئت له قدرات الدولتين. فكانت مرادة النبي بإعلان والعاديات ضبحا عالميا انطلاقًا من تبوك، على حدود الحِموية الطاغوتية الروميو، وانطلاقًا مِن إعلانه خلافة الإمام وقيادته لتلك العاديات بعده، لما كان يعيّنه واليا على دولته وعاصمته وهو زاحف إلى الحدود[23].

لما كان الخليفة عمر بن الخطاب يخاف قتال الروم والفرس، أراد أن يُحَوِّل وجهة الإرادة الفتحية المحمدية–العلوية، في البداية، فجهز 6 سفن بالبحر الأحمر لاحتلال الحبشة، باعتبار أن دفاعاتها أهون من الجيوش الفارسية والرومية، رغم اعتراض الإمام علي عليه السلام على ذلك مؤكدا أن سَوْق رسول الله صلى الله عليه وآله هو باتجاه فارس وبلاد الروم فقط، وأن للأحباش فضلاً على المسلمين إذ آووهم وأنهم ليسوا أعداءا مناوئين مثل الروم والفرس، وأن الدعوة الإسلامية ممكنة في الحبشة وإفريقيا الشرقية وليس هناك مَوَانع لها أو ضغوط عليها تتطلب فتحا عسكريّا.

ولكن ما إن خرجت تلك السفن حتى غرقت.  فخاف الحاكم عمر، وعرف أن تدخلا إلهيا أحبط مشروعه الفتْحي المضاد، ورجع إلى الإمام غليه السلام يسأله المساعدة: «لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبو الحسن».

 

1.2. مع الإمام علي (ع):

 

لقد كان أبو بكر وعمر، الخليفتان، رافضَيْن لفتح العالم، في البداية، فمن المعروف أنهما لم يمارسا حربا حقيقية على عهد رسول الله، وحين اختبرهما في خَيْبَر اكتشف الجميع أنهما يعانيان من خُوَاف[24] الحرب. ولما كان الإمام علي عليه السلام يعلم أنه إذا لم يتوسط الإسلام الجَمْع العالمي (الآية 5 من سورة العاديات) فسوف يكون مصيره مهددا كما حدث للموسوية والمسيحية قبله، خاصة وإن نيّات الساسانيين والروم في الإعداد لضرب دولة الإسلام منذ أواخر عهد النبي صلى الله عليه وآله لم تكن خافية. ولذلك لما سمع الإمام عليٌّ الخليفة عمر يقول عن الروم: «والله لوددت أن الدرب جمرة بيننا وبينهم، لنا ما دونهم وللروم ما وراءه» إذ كان يكره قتالهم[25]، ويقول عن السّاسانيين: «لوددت أن بيني وبين فارس جبال من نار»[26]، وكان يرتعد ويتصبب عرقا لما سمع بانتصارهم في معركة الجسر سنة 11هـ، في خُوَاف من تهديدهم، أكد له أن وعود النبي صلى الله عليه وآله منذ أن كان في المرحلة المكية وفي معركة الأحزاب وغيرها بالانتصار على الروم والساسانيين وعود ليست زائفة، وقدّم له استعداده لخدمة مَسْعَى مشروع توَسُّط الجَمْع العالمي دفعا للخطر على الإسلام وبحثا عن استبدال أقوام آخرين غير العرب لعلهم ينفعون الإسلام، وذلك بتوفير السَّوْق وتوفير ضباط من شيعته الأذكياء والأكفاء عسكريا. وهنا كان خُواف الحاكم عمر أن يستغل الإمام علي عليه السلام ضباطه الموالين له للانفصال بالأقاليم المفتوحة، أو يستدعون عليا عليه السلام لكي يُقِيم حكمه هناك، «فاقترح» عليه أن يبقى بجانبه بالمدينة حتى «لا تُبْقى له معضلة ليس لها أبو الحسن»[27]، وأن تكون قيادة الجيوش مزدوجة: قيادة سياسية عمرية وقيادة عسكرية – ميدانية علوية، ومع إقصاء أسامة بن زيد من القيادات لأن وجوده يذكِّر الجميع بأن أسامة كان أميرا على أبي بكر وعمر وأنهما تخلفا عن جيشه[28]، فذلك ممّا يُنقص مشروعية الحاكمية آنئذ.

كان للإمام علي عليه السلام شبه إقامة جبرية بالمدينة، في عهد الخلفاء الثلاثة، إما لأنه أحَسَّ ضِمْنًا أنهم يريدونها فوطَّن نفسه عليها، أو درءا لخُوافهم من تحركاته، رغم أنهم يعلمون أنه إذا وعد بعدم مناوأتهم قضى، فهو من ميراث الوفاء. فلقد «أراد» عمر، في بداية مشروع فتح العالم وتوسُّطِ جَمْعه أن يسافر بنفسه إلى الحدود ليشرف على الفتوحات[29]، وكان ذلك الإعلان إما:

  • مِن أجل أن يسافر عمر فعلا، وهنا يضطر احتياطا لأخذ الإمام معه، إما للاستعانة به أو خُوَافًا من بقائه بالمدينة. وهنا يخشى الإمام عليه السلام أن تصبح مكانته الشريفة بين المسلمين دونية، إذ يرونه بين يدي الخليفة، وتنظر إليه الشعوب والقبائل الجديدة في خريطة الإسلام باعتباره ثانويا.
  • مِنْ أجل أن يسافر عمر فعلا، ولكنه ليس معروفا لدى الناس بالحروب والذكاء العسكري والفتْحي، وهنا يضطر وجوبا لأخذ الإمام عليه السلام معه ليراقب ويَسُوقَ الفتوحات من هناك، وهنا سيُلْبِسُ التاريخُ كلَّ سلبيات الفتوحات (علاوة على إيجابياتها) على الإمام عليه السلام، وهذا ما لا يشجع المسلمين من وراء الأحقاب والقرون للإيمان بإمامته وصِدِّيقيته.
  • أن يكون الخليفةُ لا يقصد سَفَرَهُ هو، بل يقصد سفر الأمام عليه السلام نفسه، حتى إذا اغتيل لا يتحمل الخليفة مسؤولية اغتياله، بل ربما عَلَّق على الجن[30] وغيرهم. أو يقصد أن يرميه هو في نيران الفتوحات التي أرادها الإمام، فيتحمل وحده نتيجة الإخفاق الذي يُرَجِّحُهُ الخليفة المصاب بخُوَاف الحروب، إذ لما سمع بهزيمة المسلمين في معركة الجسر أمام الفرس تصبب كامل بدنه عرقا. فيكون سفر الإمام عليه السلام فرصة للتخلص من هذا المشروع الفتحيّ المخيف.

ولذلك كان الإمام عليه السلام ذكيا في جوابه، فتظاهر باحترام مقام الخلافة والتفكير في مصلحتها. والدليل الأوّل الذي يؤكد ما ذهبتُ إليه هي أوّلاً أن الخليفة أعادَ الاقتراح مرتين، مرة في ما يخص الروم ومرة في ما يخص الساسانيّين، والدليل الثاني أن من غير المعقول أن نصدق حاكميةَ الدَّلاَّل/الداهية وهو المعروف بالجبن والتجبين في الحروب في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله (معركة خيبَر مَثَلاً) في ادعائه الرغبة في السفر إلى الحدود، فلا يعقل أنه في عهد النبوة وتسديد الملائكة وحضور القرآن الكريم «يَجْبُنُ»[31]، ثم فجأة بعد أن «مات محمد» (كما يقول أبو بكر) أصبح شجاعا وذا ذكاء عسكري. وكان من عناصر «الَّضْبح» العَلَوي منعُ الإمام عليه السلام الخليفةَ عُمَرُ من «النفير العام» مبينا له أنه خطأ عسكري فادح، إذ يجعل العاصمة دون حماية[32].

فالأمر ليس نفيرا عاما في نظر صاحب الكفاءات العسكرية (صاحب «العاديات») بل يجب أن يكون «ضَبْحًا». و«الضَّبْح» في الأصل هو «العَدْو دون التقريب». وهو في الاصطلاح العسكري القرآني سَوْق يعتَمد العسكري، والسياسي-الناعم، أي دون التقريب، فهو متباعد الميادين ضمن شبكة متناسقة مِن المركز ومن مَداخل الميدان.

وقد كان من أسباب تواصل الخليفة مع الإمام خوافه من الروم والفرس، فوجوده إلى جانبه يمنحه بعض الأمان منهم، إذ يَعْرِف ذكاءه العسكري في الدفاع عن المدينة إذا واجهها غزو إِذْ تركه رسول الله وحْدَهُ بالمدينة لما عيّنه واليا عليه إذ غادرها.. فوجود الإمام علي عليه السلام على رأس المشروع الفَتْحي لتوسط جَمْع العالم يمكن أن يخدم المصالح الغنائمية للمتحالفين مع عمر، خاصة أن القادة الميدانيين (وجلهم من شيعة علي مرؤوسين مراقبين). فلما نجحت العملية الضَّبْحية كان من الضروري أن يخرج عمر من الساحة، لأنه كان بالإمكان أن يُقصي الإمامَ وأُطُرَه، بل تعميق سلبيات العملية الفتْحِية والتراجع عن محاور الاشتقاق بين الطائفتين المختلفتين في أطروحة الحكم والمَعَاش والحياة. وقَد مارس زواج أن كلثوم بنت الإمام عليهما السلام بالخليفة، دورا تضحويا هامّا جدا سنة 17هـ (قبل 3 سنوات من مقتل الخليفة) في الضغط على رهانات الطائفة السقيفية وامتصاص بعض سلبيات التجربة السياسية والمعاشية والعسكرية[33]-العَدَوية.

وفي القيادة السقيفية (وهي قيادة سياسية رقابية أساسا) وضع أبو بكر خالد بن الوليد على الجهة الغربية (الشام)؛ وكان على القيادة العسكرية – الميدانية – الشيعية خالد بن سعيد بن العاص الأموي. وفي عهد عمر عيَّن بقيادته السياسية – الرقابية أبا عبيدة بن الجراح مكان خالد بن الوليد درءا للتبعات الثأرية لقَتْل هذا الأخير مالكَ بنَ نويرة اليَرْبوعي ظلما ولاغتصابِهِ زوجته، ولكنه لم يُقم عليه الحد، وأثناء السفر إلى القدس «استخلف على المدينة عثمان بن عفان» في دلالة على رغبته في خلافته بعده[34]، وأضاف بتلك القيادة يزيد بن أبي سفيان (فمعاوية أخاه). بينما دخل القيادة الميدانية – العسكرية – العلوية الفضل بن العباس (توفي بفلسطين) ومالك الأشتر «فقَتَلَ منهم (الروم) مقتلة عظيمة، ثم انصرف وقد عافاه الله وأصحابه»[35]. فمالك الأشتر هو الفاتح الحقيقي لبلاد الشام لا غيره، وفي «ضَبْحِهَا» شُتِرتْ عينه، فسمّي «الأشتر». وقد طلب عليٌّ عليه السلام من عمر أن يأذن بفتح مصر، لأن الكثير من القبط أسلموا بعد اتصال حاطب بن أبي بلتعة بالمصريين والمقوقس وبجُهودٍ دَعويّة من عائلة السيدة مارية -عليها السلام- ذات الشرف الاجتماعي[36]، فعيَّن عمرُ عمرو بن العاص رقيبا سياسيا-عمريا على القيادة العسكرية-العَلَوية المتمثلة طبعا في مالك الأشتر. ولما كان المصريون يعرفون مالكا الأشتر، عينه أمير المؤمنين عليه السلام واليا عليهم في ما بعد، خلفا لمحمد بن أبي بكر لمّا أصبح الحاكمَ الرابعَ للمسلمين بعد وفاة الرسول (ص).

على الجبهة الشرقية، كان الخليفة العدوي رافضا في البداية للتعاون مع شيعة الإمام عليه السلام، فكانت الهزيمة المُريعة في معركة الجسر في العام الأول من خلافته[37]، فاضطر لقبول التعاون معها بعد سنة كاملة من التردد والخُوَاف. فكان بالقيادة السياسية -الرقابية- العمرية: سعد بن أبي وقاص وأبو موسى الأشعري (وهو مُقاتلٌ من مستوى متوسط، وليس له ذكاء عسكري، وهو من أجهل الناس بالحروب) والمغيرة ابن شعبة[38]، والمثنى بن حارثة، وعتبة ابن غزوان. بينما اقترح الإمام عليه السلام بعد مجزرة معركة الجسر العِنَادِيَّة الخاسرة[39] أحد أبناء العراق العالمين ينقاط ضعف الساسانيين:  النعمان بن مقرن، وكان معه في القيادة الميدانية – العسكرية – الشيعية: سلمان الفارسي وعثمان ابن حنيف وجرير بن عبد الله البجلي اليماني وعمار بن ياسر اليماني الأصل، والتحق بهم مالك الأشتر اليماني في بعض المراحل.

أما سلمان الفارسي رحمه الله، فقد اتصل بالضباط الديالمة بالجيش الساساني وأقنعهم بالمساهمة في إسقاط الطاغوت الساساني، كما فعل الديالمة باليمن (الأبناء) مع رسول الله صلى الله عليه وآله الذين أحبطوا انشقاقات المتنبئين باليمن، ففعلوا، وإلا ما كان سقوط المدائن والمُلْك الساساني بتلك السهولة[40]. ولقد استطاعت شبكة سلمان الدعوية أن تُقنع ابْنتي الكسرى (شاه زنان وسيرين) بالإسلام، فكان لهما دور يث الإعلام التضليلي للطاغية أبيهما إذ ظن في الجيش المسلم عظمة عددية، وبثا فيه الرعب فهرَبَ مع حاشيته إلى الهند[41].

كما أقنع الهرمزان، رضي الله عنه والي الأهواز الساساني بالإسلام، فأسلم وأقنع هو نفسه سكان إقليمه بايجابية الانخراط في دولة الإسلام التي تحفظ حرية الدين. وقد عين عُمَرُ سَلْمَان واليا على المدائن، ملبيا اقتراحا للإمام علي عليه السلام، باعتبار أن ابن البلد وابن اللغة الوطنية هو الأكفأ على الدعوة إلى الإسلام. وقام الإمام علي عليه السلام بواسطة دُعاتِة بجعل طيء تُسْلم حسب أطروحة ولايته، فانضمت بعد معركة الجسر إلى الجيش الذي على الجبهة الشرقية، فعزّزته[42] بعد تلك المجزرة التي كانت نتيجة رفض تعامل العدويين مع الإمام علي عليه السلام. وفي سنة 18هـ «ولى عمر مكان سعد بن أبي وقاص: عمار بن ياسر» لكنه سرعان ما عزله بإفكٍ قيل فيه، فكل ما في الأمر استدراج عدوي غير ناجح لعمّار. وقد التحق القائد العسكري الكبير مالك بن الحارث الأشتر بهذه الجبهة الشرقية في بعض مراحلها . وقد ساهم زواج الإمام الحسين من شاه زنان –رضي الله عنهما- ابنة يزدجرد، التي رفضت الهروب مع أبيها وكانت قادرة على ذلك وأرادت الدخول في الإسلام ودولته، فدخلت المدينة المنورة مع أختها، في تسهيل انخراط الفرس الطوعي هي دولة الإسلام، فلم يرتدوا مرة واحدة، كما حدث في بعض مناطق جزيرة العرب وفي بلاد المغرب[43].

ولا ندري إن كان بدأ تثبيت دور القيادات السياسية – الرقابية – العُمَرية بالذاكرة الجمعية ومحو دور القيادات الميدانية الجمعية منذ العهد العدوي، ولكنْ من المؤكد أن هذه العملية المزدوجة كانت منذ بداية العهد العُمَري – الأموي (أي عهد عثمان بن عفان). يقول الإمام علي عليه السلام في هذا الصدد: «(…) ثم نسيت تلك الفتوح إلى آراء ولاتها وحسن تدبير الأمراء القائمين بها [أي القيادات السياسية–الرقابية]، فتأكد عند الناس نباهة قوم [هم العدويون والأمويون] وخمول آخرين (أي القيادات الميدانية – العسكرية – العَلوية)، فكنا نحن ممن خمل ذكره وخبت ناره وانقطع صوته وصيته حتى أكل علينا الدهر وشرب. ومضت السنون والأحقاب بما فيها ومات كثير ممن لا يعرف (…)»[44]. ولكن النجاح المذهل للفتوحات جعل العرب وقريش «أثرت بعد الفاقة وتموَّلت بعد الجهد والمَخْمَصَة» فحَسَّن هذا النجاح المعجز السريع وآثاره المعاشية «في عيونها من الإسلام ما كان سَمْحا، وثبت في قلوب كثير منها من الدين ما كان مضطربا، وقالت: (لولا أنه حق لما كان كذا)»، معترفة بصدق تنبئ رسول الله صلى الله عليه وآله بهذا النجاح السريع, وغير مستغفرة على تكذيبها لهذا التَّنبُّئِ لمَّا صَدَر.

 

2.2. مع الإمام السّجاد:

 

رغم إقصاء الأئمة عن مجال الحكم وعن نوع الشراكة الذي «وافق» عليه الخليفة العدوي منذ عهد الخليفة الأموي عثمان بن عفان، فقد «كانوا يتحملون باستمرار مسؤوليتهم في الحفاظ على الرسالة وعلى التجربة الإسلامية وتحصينها عند التردي إلى هاوية الانحراف والانسلال عن مبادئها وقيمها (…) وكلما وقعت التجربة الإسلامية أو العقيدة في محنة أو مشكلة عجزت الزعامات المنحرفة عن علاجها بحكم عدم كفاءاتها، بادر الأئمة عليهم السلام إلى تقديم الحل ووقاية الأمة من الأخطار (..)»[45]. فهم مأمورون من الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله بالرقابة والشهادة، سواء طلب الحاكمون ذلك أو لم يطلبوا، بهذه الطريقة أو بتلك، بتنسيق مع مغتصبي الخلافة أو دونه، وسواء لمزيد ترشيد العمليات الفتحية، دعوية كانت أو عسكرية، أو لامتصاص ما يمكن آثارها السلبية – البخسية لشعوب الأقطار المفتوحة. ولعل خير دليل على ذلك هو الإمام زين العابدين عليه السلام، الذي رغم أن وضعه ليس وضع الإمام علي عليه السلام مع الخليفة العدوي، إلا أنه يشعر أنه مأمور بالتدخل، فـ«دعاؤه لأهل الثغور»، ليس دعاءا بالمعنى العامي للكلمة، بل هو برنامج اختزالي لسَوْق إماميّ فتحيّ كامل وراء العمليات الفتحية طيلة العهد الأموي، وخاصة عَهْدَ الطاغية الوليد بن عبد الملك. ولا أتصور أن الأمويين   المعروفين تاريخيا بخوافهم من المواجهة (أبو سفيان، معاوية…)، كانوا هم المبادرين بالسيرورة الفتحية، بل من الأكيد أن للإمام زين العابدين أعوانا داخل سلطة القرار الأموي يحاولون توجيه «القرار» لما يريده العقل والشرع والبرنامج السجادي العام في الحياة أو لما يطلبه السجاد تحديدا، كضرورة المواصلة في تَوَسُّط الجَمْع العالمي منعا لاحتواش الأعداء على الإسلام وقرآنه وكعبته، كما فعلوا بالمُوسَوِيّة والعيسوية مِن قَبْلُ.

ومن الأدلة على وجود أعوان سَجَّاديين سريين داخل سلطة «القرار» الأمويّة رسالة الإمام المدعوة (رسالة الحقوق). فالمخاطَب المجهول في الرسالة العظيمة: «فأوْجَبُ الناسِ عليه حقوقا هم أئمتك المعصومون، ثم حقوق رعيتك»، ثم «حق سائسك بالسلطان»، ثم «حق سائسك بالمُلْك». فللرجل المجهول نفوذ عظيم بالمُلْك الأموي، وهو يوجهه لعدم «مماحكة» المَلِك (مخاصمته ومنازعته) وأن يعرف كيف يوجهه للخير أو لبعضه، من أجل «حق أهل ملتك» دون تمييز، وحق أهل الذمة[46]. فمن مسؤولياته خدمةُ المشروعِ المحمدي في تَوَسُّط الجَمْع العالمي.

إن الإمام بإبداعه دعاء الثغور، إنما يؤكد على وجود سَوْق عسكري – فَتْحِيّ لدى الأئمة عليهم السلام بعد أبيهم علي عليه السلام. ومن الأكيد أن له من يُمَثله «بثغور المسلمين»، التي هي دِفاعات وقد تصبح منطلقاتٍ لتوسعٍ فَتْحِيٍّ مسلح أو دعوي. أو معا، فالدعاء يتناول «حُمَاتَها» ويدعو لتحصينها أي بِنائِها أو ترميمها أو دعم عمارتها أو دعم تسلحها، باسم محمد وآله: «اللهم صل على محمد وآله، وحصن ثغور المسلمين بعزتك، وأيد حماتها بقوتك»، و«اشحذ أسلحتهم». كما ينمّ هذا الدعاء عن وجود سَوْق إمامي لتمويلهم، حتى وإن كانت عطاء الدولة لهم غير كاف: «وأسبغ عطاياهم من جدتك». وهو يريدهم أن يكونوا «زينة» جند ثغور الدولة ومركزهم السري، الأمين، الأكثر تضحية، وذلك بتألف هؤلاء الممثلين وخروجهم من القلة إلى الكثرة النسبية: «وكَثِّرْ عِدتهم»، «ودَبِّر أمرهم». وهو يدعو الله تعالى أن يوطن الواحد منهم الصبر على المجهولية الاجتماعية والخمول المكانتي: «واعزل عنه الرياء، وخلصه من السمعة، واجعل فكره وذكره وظعنه وإقامته فيك ولك». والدعاء يرجو من الله تعالى أن يجعل كل المسلمين، مهما كانت حالة إيمانهم أو درجته أن يساهم في الجهاد الثغوري حتى بأبسط الأمور، مما يبين الأهمية القصوى للجهاد الثغوري في الواجب التاريخي للأئمة عليهم السلام. وهذا الدعاء أحد وسائل بناء الممثلين الميدانيين للأئمة بل هو على رأسها[47].

لقد كان موسى بن نصير من تلاميذ الإمام السّجّاد (ع)، سرًّا، مع عمر بن عبد العزيز، لما كان في طفولته وبداية شبابه بالمدينة ولقد أطاع إمامه في سَوْقه، إذ اخترق السلطة الأموية، فأقنع الخليفة الوليد بن عبد الملك باستئناف الفتوحات، مُغريا إياه بـ«الغنائم» التي سينالها وعائلته المالكة. فعيّنه على جبهة المغرب، بينما عيّن محمد بن القاسم الثقفي على جبهة الهند والصين (وهو أيضا من تلاميذ السجاد والباقر).

وقد استطاع ابن نصير أن يَجْعل الأمازيغ أصدقاء للعرب والخلافة، فهو يعرف أن لهم أكثرية مسلمة وأنهم مظلومون من السلطة الأموية السابقة، فاستطاع بسياسته الرحيمة، العادلة، أن يجعل أصدقاءه «مِن وُجوه البربر مائة رجل، فيهم بنو كسيلة، وبنو قصدر، وبنو ملوك البربر، وملك السّوس»1، فضلا عن «عشرين ملكا من ملوك جزائر الروم (…) ومائة من ملوك الأندلس، ومن الإفرنجيين[48]، ومن القرطبيين، وغيرهم (…) فأقبل يجرّ الدنيا وراءه جرّا لم يُسْمَع بمثله، ولا يمثل ما قدم به»[49]. إنه العَدْل الذي يَملك القلوب. وإنه لابن نُصَير هو المعنيّ في رسالة الحقوق السجادية، رضوان الله عليه، أي هو المُخَاطَبُ المجهول، أو الجندي المجهول.

لكنْ من سوء الحظ، أنه اعترض في إحدى خُطبه بالقيروان، على أحد النواصب، فلم يلتزم التقية، فكان أن أوصًل الواشي الخبرَ إلى الخليفة النّاصبيّ (سليمان)، فاستدعاه، وكان عقابه عسيرًا: قتْل ابنه قتلة فظيعة، حتى يعترف بموالاته لأهل البيت، فلمّا لم يعترف عاقبه بالوقوف في الشمس، رغم أنه شيخ مريض بـ«النَّسَمة»[50]، ورغم كل مناشدات عمر بن عبد العزيز وتفنيده لشكوك الخليفة في ما يخصّ ولاءه للسجاد. ويلخص عمر بن عبد العزيز، لصديقه موسى بن نصير أسباب عقابه في «بُعد أثرك في سبيل الله»، فذلك يحرّك عوامل حسد الخليفة وخُوافه من استقلاله بالأمر بعيدًا عن دمشق، وفي«حُبِّك لآل محمد،  صلى الله عليه وآله»[51].

وفي الحقيقة، فإن الإمام عليا نفسه عندما أصبح ممارسا للولاية السياسية العليا، كان ممارسا أيضا للجهاد الخارجي والثغوري أفضل مما «مورس» في العهد العدوي. فقد أزال سارقي الفتوح من الغنائميين في العهد العدوي والناهبين في العهد الأموي – العثماني، فزالت العوائق عن الدعوة الإسلامية غير المشوبة في أعين الشعوب الجديدة بممارسات المسلمين السارقين. وفي  رسالة له إلى والي أذربيجان يقول: « وَإِنَّ عَمَلَكَ لَيْسَ لَكَ بِطُعْمَة، وَلكِنَّهُ فِي عُنُقِكَ أَمَانةٌ، وَأَنْتَ مُسْتَرْعىً لِمَنْ فَوْقَكَ، لَيْسَ لَكَ أَنْ تَفتَاتَ فِي رَعِيَّة، وَلاَ تُخَاطِرَ إِلاَّ بِوَثِيقَة، وَفي يَدَيْكَ مَالٌ مِنْ مَالِ اللهِ عَزَّوَجَلَّ، وَأَنْتَ مِنْ خُزَّانِهِ حَتَّى تُسَلِّمَهُ إِلَيَّ، وَلَعَلِّي أَلاَّ أَكُونَ شَرَّ وُلاَتِكَ لَكَ، وَالسَّلاَمُ.»[52].

 

كما توفرت الفرصة لمزيد تكوين الدعاة الموجودين، بل إضافة أعداد كثيرة من الدعاة الجدد، بعيدا عن دمج الصورة المبثوثة عن الإسلام بتحبيذات الجاهلية (الرغبة في النخاسة، الرغبة في التمييز العرقي والنوعي، تبرير الغنائم وسرقة الشعوب باسم الدين) بتنقيتها وعرض الإسلام كما هو. كما حارب الإمام بعض الفرس غير المسلمين لأنهم لم يؤدوا الخراج لدولتهم[53]، وتقدم جيش الإمام في بلاد السِّنْد، وكان الهجوم على قوم من النصارى ارتدوا عن الإسلام بقيادة معقل بن قيس التميمي.

ــــــــــ * ــــــــــ

لقد كان الإمام، مستشارا نِسْبيا في العهد العدوي ومقصيا مطلقا في العهد الأموي – العثماني، وممارسا الولاية السياسية العليا، مقاوما لرغبة النظام العدوي – السقيفي عدم المضي في البرنامج المحمدي في توسط الجمع العالمي أو «تأويله» (التفكير في احتلال الحبشة)، أو التقليص منه إلى الحد الذي ارتضاه عمر الذي كان يود لو أن بينه وبين الروم والساسانيين «جبالاً من نار». فلولا السقيفة، لأصبح كل العالم مسلما، ولتحطم كل الطاغوت البشري التاريخي، ولذلك أدلة علمية-موضوعية.

كانت المبادرة الفتحية – العلوية لتوسط العالم ضرورة تاريخية لحماية الدين الإسلامي من أعدائه الذين أعلنوا عدوانيتهم (الساسانيون والروم وأتباعهم العرب) ولحماية المستضعفين في العالم ما أمكن. ولكن لم تكن هناك مندوحة من بعض السلبيات المرافِقة لأن الممسكين بالولاية السياسية العليا (= الخلافة) لم يكونوا هم الأئمة الشرعيون الأكثر مساسا بالشريعة الإسلامية السمحاء، بل كانوا إما من متوسطي المعرفة بها (النظام العدوي – السقيفي) أو من الجاهلين بها تماما (عبد الملك بن مروان، الوليد بن عبد الملك…). ولذلك كان على الأئمة أن يمارسوا دورا آخر هو امتصاص أكثر ما يمكن من السلبيات وتحصين الأمة الفاتحة وشعوب الأقطار المفتوحة أكثر ما يمكن ضدها.

فالواحد من أهل القيادة السياسية – العدوية أو الأموية المراقِبة لعملية توسط العالم، عملية «العاديات» المقدسة، كان ﴿لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (العاديات، 8)، كما تنبأت السورة، أي سيكون حريصًا على الغنائم، بل سرقة كل العملية معاشيا وسياسيا وإعلاميا ونحليا[54]، التي بررها «فقهاء» البلاط في ما بعد.

وقد حرص الأئمة وممثلوهم على القيام بواجبهم على هذا الخط فهذا أبو ذر الغفاري، رضوان الله عليه، يرفض مد معاوية بن أبي سفيان و«سُفَانة» وغيرها بغنائم من فتح قُبْرُص، وهو يرفض سرقة القائد العدوي يزيد بن أبي سفيان الأموي زوجة رجل شامي ومحاولة افتكاكها من زوجها ويفضحه حتى لا تقع الجريمة الفاحشة المسمّاة: السَّبْي واستعباد الشعوب المفتوحة. وهو يرفض الاكتناز الذي مارسه معاوية مغتنما فتح الجبهة الشامية[55]، ولكن من سوء الحظ أن عمر بن الخطاب لم يوافق أبا ذرّ، ثم عاقبه عثمان بن عفان على ذلك حتى أصْدَر جريمة نفيه بالربذة.

إن «الجزية» أمر معقول، ولكنْ ليس لما قال المؤرخ أرنولد يقول: «لم يكن الغرض من فرض هذه الضريبة على المسيحيين (…). لونا من ألوان العقاب لامتناعهم عن قبول الاسلام، وإنما كانوا يؤدونها مع سائر أهل الذمة، وهم غير المسلمين من أهل الدولة التي كانت تحول ديانتهم بينهم وبين الخدمة في الجيش، في مقابل الحماية التي كفلتها لهم سيوف المسلمين»[56]. فهي لا تكون إلا على الدولة أو السلطة أو الرؤساء الذين ساهموا في الحرب على المسلمين، فهي مقترنة بالصَّغَار، أي إذلال المعتَدين: رضيتْ من أجل حريّتها الفتْح الإصلاحي إلاّ دَفع ى «الخَرَاج». ولذلك لا نجد في رسالة الإمام علي إلى مالك الأشتر، قائد العاديات ضبحا في إمامته، أنه يطالبه بأخذ الخراج العادل من الفلاحين المصريين (غير المسلمين في أكثرهم): وليكنْ «نظرك في عمارة الأرض أبلغ مِن نظرك في استجلاب الخَراج»[57].

يقر أرنولد أن الفتح الإسلامي كان الأكثر تسامحا في الفتوحات عبر التاريخ: «كان المسلمون بخلاف غيرهم، إذ يظهر لنا أنهم لم يألوا جهدا في أن يعاملوا كل رعاياهم من المسيحيين بالعدل والقسطاس. فبعد فتح مصر مثلا – استغل اليعاقبة فرصة إقصاء السلطات البيزنطية، ليسلبوا الأرثوذكس كنائسهم، ولكن المسلمين أعادوها أخيرا إلى أصحابهم الشرعيين»[58].

وهذا الإمام علي عليه السلام يمنع القيادة السياسية – الرقابية للفتوحات من جعل الأقطار المفتوحة إقطاعا. فقد كانت الدولة أمام خطر إقامة أعظم إقطاع في التاريخ وكان من المفروض «أن يسرع في دمار الأمة الإسلامية. وذلك حينما وقع البحث بين المسلمين بعد فتح العراق في أنه هل توزع أراضي العراق على المجاهدين المقاتلين أو أنها تبقى ملكا عاما للمسلمين عموما, وكان هناك اتجاه كبير بين المسلمين إلى أن توزع هذه الأراضي على المقاتلين (…) وكان نتيجة ذلك أن يعطى العالم الإسلامي لبضعة آلاف كانت تقاتل (…)». وتدخل الإمام لحسم هذا الخلاف وبيان وجهة نظر الإسلام الذي يحرم ذلك[59]، ومِنْ حُسن الحظ أن الحاكم عمر اقتنع بوجهة نظره.

إن تعتيم بعض مؤرخي الفتوحات التوسطية للجمع العالمي، وسعي القيادة السياسية – الرقابية لسرقتها سياسيا وإعلاميا وفقهيا، لن يستمر، لأن الله تعالى والراسخون في التاريخ العسكري والعلوم العسكرية والفقه الإسلامي سيكونون خبيرين بعون ﴿الخَبِيرالأعظم، سبحانه وتعالى، على «بعثرة» قبور السارقين وقطع أيديهم، رغم «كُنُودهم» لمولاهم / ربهم[60]: رَبِّ العاديات عليه السلام: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ (العدوي واتيْمي والأموي والأعرابي) لِرَبِّهِ (الذي نصبه الرب الأعلى، الرب الحقيقي لا المجازي ورسوله الأكرم) لَكَنُودٌ (6) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (7) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (8) أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (9) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (10) إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ(11) (سورة العاديات).

 

خاتمة: قيمة عاديات علي بن أبي طالب عليه السلام في الصراع العسكري مع الاستكبار  والصهيونية:

                                             

إن «عاديات» الإمام عليه السلام بما هي سَوْق عسكري غير مسبوق، سماه الله تعالى: «السَّوْق الضَّبْحي» من أجل توسط الجَمْع العالمي – العدواني، يرقى إلى أعلى مستويات السوق العسكري في التاريخ، على الإطلاق, دون صدور هذا الحكم عن هوى أو تعصب. وكيف لا، والإمام هو تلميذ أذكى إنسانٍ في التاريخ. فلا يمكن موضوعيا، لشخص مقصي عن الولاية السياسية العليا، ومستشاريتُهُ غير ملزِمة وغير مطلوبة دائما من أهل الولاية السقيفية، ويواجه ضغوطا داخلية، عظيمة هو وشيعته، أن يواجه أعتى الطواغيت في العالم القديم، بشعب عربي أقل شأنا ديمغرافيا وانتحاليا، بل أقل شأنا في الانتحال والذكاء العسكريين، وحديث عهد بالإسلام، وجله لا يدين بالولاء لسيد البشر بعد الرسول الأعظم، وليس له ما يكفي من القادة الميدانيين العقائديين، ولم يكوِّنهم الوقتَ الكافيَ في المدينة المنورة (حذيفة بن اليمان عمار بن ياسر، سهل بن حنيف) واليمن، وهو الذي لم يبق فيها سوى سنة واحدة (والتي كَوَّنَ فيها إيمانيا وعسكريا العظيمَ مالكَ الأشترَ النخعيَّ خاصة). إنما في الحقيقة من أعظم معجزاته، وهو أعظم معجزة من معجزات رسول الله صلى الله عليه وآله، صنعه بيديه في ظرف صعب جدا ومنهك جدا لذاته الكريمة إذ كان كثير المشاغل الإلهية.

وقد كان الإمام يرى القيادة العسكرية «لذي الرأي»، ويفضل «الشيخ المجرب ذا الرأي لما له، تجربة ورأي، على الشاب، على ما فيه من قوة ونشاط»[61] باستثناء ما يراه في الشاب مالك الأشتر. وكان يرى أن «الحرب خدعة»[62]. ينقل ابن خلدون عن الإمام:

«… الحاسر، وعضوا على الأضراس، فإنه أنبى للسيوف عن الإمام، والتووا على أطراف الرماح فإنه أصون للأسنة، وغضوا الأبصار فإنه أربط للجأش وأسكن للقلوب، وأخفتوا الأصوات فإنه أطرد للفشل وأولى بالوقار. وأقيموا راياتكم فلا تميلوها، ولا تجعلوها إلا بأيدي شجعانكم، واستعينوا بالصدق والصبر، فإنه بقدر الصبر ينزل النصر»[63].

ولم يختر عالمُ الاجتماع العسكريّ الوحيدُ في التاريخ القديم للمسلمين (ابن خلدون) قائدا من قادة فتوحات الإسلام سوى مالك الأشتر، هو اعتراف عظيم ودقة عظيمة، فهو بطل الجبهتين الأعظم، بلا منازع، وهو تلميذ والي اليمن مِنْ قِبَل رسول الله. واختار له ابن خلدون قوله وهو يحرض قومه اليمانيين يوم صفين: «عضوا على النواجذ من الأضراس، واستقبلوا القوم بهامكم وشدوا شدة قوم موتورين يثأرون بآبائهم وإخوانهم، حناقا على عدوهم، وقد وطنوا على الموت أنفسهم لئلا يسبقوا بوتر ولا يلحقهم في الدنيا عار»[64].

وينبغي مزيد البحث في هذه (العاديات) العظيمة سَوْقيا وتقنيا وقياديا، والأمر سيكون أصعب على مستوى طورها السجادي/الباقري/الصادقي. فإذا كان تدخل الإمام علي عليه السلام، واضحا أو شبه واضح، فإن الطور السجادي/الباقري/الصادقي من (العاديات) دقيق جدا، وشبه سري، ولكن رسالة الحقوق تكشف عن الخطوط الرئيسة لهذا التدخل، ويتبغي المضي قدما بالخبرة العلمية لتحصيل أكثر ما يمكن ما في صدور هؤلاء الأئمة[65] العظام من خطوط تفصيلية في الضَّبْح لإيراء قَدْح الإسلام حتى يتوسط العالَم العُدْواني بنجاح وبأقل السلبيات والانحرافات، والإغارة عليه من أجل تأسيس «صُبْح العالم»(﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا)، حتى يتمَهَّد الأمر ليعم نور الله كله، لا مجرد نور صُبْحه فحسب، على الدين كله والأرض كلها، ولو كره الطاغوتيون.

إن عاديات الأئمة، علي والحسن والحسين وزين العابدين والباقر والصادق، معجزة إلهية، تؤكد ضرورتهم مرة أخرى لخير العالم المتعطش للقسط والدين، وتؤكد عبقرية مُكَوِّنِهمْ، محمد صلى الله عليه وآله، وقد كانت الظروف قد أهَّلها الله تعالى لفتح الشام وإسلام فارس والعراق وسوريا[66] وبلاد المغرب، وأحسنوا دعوتها وتلاميذهم بإبداعية.

لكل ذلك، ألا تستحق هذه العاديات، الاستثنائية في التاريخ، قسم رب الأرباب، رب جَبْرِ الإيل، رب الحرب والسلام، رب الجنود، رب الجلال والقهر/ والجمال والرحمة؟! إنها تستَحق مِنَّا مَزيد التمعن في جَوْهَرها الخِبْري من أجل الانتصار الناجز على الامبريالية والصهيونية.

ـــــــــــ * ـــــــــــ

إنّ كل سورة قصيرة، هي تلخيصٌ لسورة طويلة. وما جاء في سورة العاديات ضبْحًا هو مُلَخُّص لسورة التوبة[67].

[1]  الطريحي، مَجْمَع البحرين، دار مكتبة الهلال، بيروت، 1985، المجلد 2 ، ص 390.

[2]  م،س، المجلد 3، ص 429.

[3]  م، س، الصفحة نفسها.

[4] رواه الحسكاني والواحدي والثعلبي… وروّاة: «إنما مَثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح»: المحب الطبري، الحاكم، والسيوطي، وابن حجر…

[5]  م، س، المجلد 4 ص 398.

[6]  الآية: ﴿وَيَشفِ صُدورَ قَومٍ مُؤمِنينَ  (سورة التوبة،الآية 14).

[7] الطريحي، المجلد 4، ص 398 أيضا.

[8] اليعقوبي، التاريخ، المجلد الثاني، دار صادر، بيروت، د ت، ص 8.

[9] م، س، ص 8 أيضا.

[10] اليعقوبي، م, س، ص 51/ سورة الأحزاب، الآية 12 والآية 22.

[11] الطريحي، مجمع البحرين، دار الهلال، المجلد 2، ص 320.

[12] الطريحي، م، س، ص 290 أيضا.

[13] ابن خلدون، المقدمة، دار الجبل، بيروت، 2005، ص243.

[14] ابن خلدون (عبد الرحمان)، المقدمة، م. س، ص 243.

[15] رواه البخاري ومسلم والنسائي، وغيرهم.

[16] المقدمة، م. س، ص 240.

[17] م. س، ص 240.

[18] متفق عليه. خدع نعيم بن مسعود العرب واليهود الصهاينة، وكان ذلك من أسباب انتصار الخندق.

[19] الحرّ العاملي، الوسائل، مؤسسة آل البيت، ج 15، ص134.

[20] متفق عليه.

[21] « جَبْرَئِيل»: جَبْرَ الإِيل، أي «قوّة الله تعالى» باللغة العربية-السّريانية، فهو مَظْهَرُ القوة الإلهية، وداعم الاستعداد الاستجهادي.

[22] … في معركة السلسلة، انظر: الفيض الكاشاني، الأصفى في تفسير القرآن، دار اللوح المحفوظ، طهران 1324هـ، ق، ص 910و911. ذكر عبد الحسين شرف الدين أن الشيخ المفيد في الإرشاد فصل فيها، وهي غير معركة ذات السلاسل التي تأمَّرَ فيها ابن العاص على أبي بكر التيمي وعمر العدوي وأبي عبيدة بن الجراح. (شرف الدين، النص والاجتهاد، طهران د، ن، د. ت، ص 248).

[23] راجع تدبرنا في سورة التوبة، فلقد فصّلنا في هذه النقطة.

[24] خُوَاف: Phoby, Phobie.

[25] اليعقوبي، التاريخ، دار صادر، 1995، ص 155.

[26] اليعقوبي، التاريخ، دار الكتب العلمية، بيروت، ج2، ص133.

[27] «لا أبقاني لمعضلة ليس لها أبو الحسن».

[28] كُلِّف أسامة رضي الله عليه بمهمة جزئية جدا بعيد وفاة رسول الله، لرفع العتب، لا كما أراده رسول الله صلى الله عليه وآله القائد الأعلى لفتح بلاد الشام (اليعقوبي، التاريخ، ص127).

[29] الإمام علي، نهج البلاغة، مؤسسة المعارف، بيروت، 1996، ص 338.

[30] … كما حدث لمقتل سعد بن عبادة، إذ تسب مقتله للجن، أو تسمم الخليفة أبي بكر الذي لا ندري إلى الآن من سمه (خبر التسمم: في الهيثمي، صلة الأقارب، دار الكتب العلمية، بيروت، ص197).

[31] خَير جُبن عُمر وأبي بكر وفرارهما مع أصحابهما في معركة خيبر، في مستدرك الحاكم (ج3، ص39 و40) وتاريخ الطبري (ج2، ص136) وغيرهما.

[32] الصدر (محمد باقر)، أئمة أهل البيت ودورهم، المؤتمر العالمي، طهران 1412هـ.

[33] يقول الإمام علي عليه السلام: «لا يفسد الحج والجهاد جور أمير جائر، كما لا يفسد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غلبة أهل الفسق»، رواه الإمام زيد بن زين العابدين، رضوان الله عليه، في مسند زيد، ج 4، ص 634 (عن قلعة جي، ص 200). فيوسف عليه السلام كان وزيرا مخترقًا لدولة الطاغوت المصري القديم بأمر من الله تعالى.

[34] … تمامًا، كما فكر الرسول (ص)، لما خلّف الإمام على المدينة لما زحف إلى الحدود الشمالية (معركة تبوك)، فقال له آنئذ: «أنت مني بمنزلة هارون مِن موسى. أنت خليفتي مِنْ بَعْدي» (حديث مشهور).

[35] اليعقوبي، م. س، ص 142.

[36] أرنولد (توماس)، الدعوة إلى الإسلام، ص 124.

[37] البلادري فتوح البلدان، دار النشر للجامعيين، بيروت 1958، ج 5، ص 351 و 353.

[38] زنى اثناء الفتح ولم يجلده عمر، فكان يقول له: «يا مغيرة، ما رأيتك قط إلا حسبت أن الله راجمي» بسبب عدم إقامته الحد عليه (اليعقوبي، م، س، ص 146) . ولكن للضرورة السياسية أحكام. كما أن خالد بن الوليد لا يمكن رجمه لأنه «ما كنت قاطعا سيفا سلطة الله على المشركين» كما يقول أبو بكر!!

[39] عين الخليفة العدوي في البداية سعيدًا بن نفيل العدوي (ابن عمه) بالقيادة السياسية ثم سرعان ما تراجع لما ثبت بسرعة أن لا مواهب  رقابية له. (البلاذري، م. س، ص 353).

[40] عُزِل الهرمزان رضي الله عنه من الولاية رغم مساهمته العظمى في إسقاط الساسانيين بنعومة. وسكن المدينة حُبًّا في رسول الله صلى الله عليه وآله. ولما قتل أبو لؤلؤة عمر, قتل عبد الرحمان بن عمر الهرمزانَ وابنته ظُلما. دافع المقداد عن دمه لكن عثمان تخلى عنه وقتل عبد الرحمان بن عمر نفسه بعد 13 سنة.

[41] مطهّري (مرتضى)، الإسلام وإيران، دار الإرشاد، بيروت، 2016.

[42] أرنولد ( توماس)، الدعوة إلى الإسلام، ص 66.

[43] من حسن الحظ أن مَلَكَ الإمام علي عليه السلام مودتهم، فقد كان أَحَبَّ إلى الموالي وألطَف بهم، وكان عمر أشد تباعدا «منهم» [الثقفي (أبو إسحاق) الغارات، ج 2 ، ص ]498.

[44]  ابن أبي الحديد، شرح النهج، ج 20، ص 298.

[45]  الإمام زين العابدين، رسالة الحقوق، ضمن: الحراني (ابن شعبة)، تحف العقول، دار الأعلمي، بيروت، 1996، ص 184 و185 و186.

[46]  الإمام زين العابدين، الصحيفة السجادية الكاملة، مؤسسة البلاغ، بيروت، من ص 122 إلى ص 129.

[47]  انظر تناولنا للدعاء الإمامي في: المغربي (نعمان)، «المَسَاق الحسيني»، مجلة العقيدة، العدد 19، شهر محرّم، 2019.

[48] و3 م. س.

[50] مرض ضيق التنفس، يُحدث مشكلات في عضلات الرؤية.

[51] ابن قتيبة (محمد)، الإمامة والسياسية، دار الكتب العلمية، بيروت، 2006، ص244.

[52] ابن أبي طالب (علي)، نهج البلاغة، ص542.

[53]  الطبري، التاريخ، حوادث عام 49 هـ.

[54] في هذا السياق يأتي كتاب الخراج لأبي يوسف المبرر للسلوك المالي الاكتنازي للطاغوت العباسي, وكذلك كتاب الأموال لابن سلام، وكتاب الأحكام السلطانية للماوردي، والكثير من كتب التاريخ.

[55] الأطروحة الإغتنامية هي التي عطلت مد الاسلام

[56] أرنولد  (توماس)، الدعوة إلى الإسلام، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 197، ص 79.

[57] الإمام علي، نهج البلاغة، م. م.، ص 635..

[58] أرنولد (توماس)، م، س، ص 88.

[59]  الصدر (محمد باقر)، أئمة أهل البيت ودورهم في تحصين الرسالة الإسلامية، ص 203.

[60]  «الرب» هو «السيد» و«المربي» و«المتمم» و«المنعم» و«الصاحب»، «ولا يطلق غير مضاف إلا على الله تعالى» [الطريحي، م.س. : دار الهلال، بيروت 1989، ج 2، ص 64].

[61] قلعة جي (محمد رواس)، موسوعة فقه الإمام علي، دار النفائس، بيروت 1996، ص 200.

[62] قلعة جي، م، س، ص200 أيضا.

[63] ابن خلدون، م، س، ص 243.

[64] ابن خلدون، م، س، ص 244

[65] ﴿حُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ، (العاديات، 10) أي «مَيَّزَ وَبَيَّنَ وَجَمَعَ».  و«مُسْتَخْرَجُ البئر من المعدن يسمى مُحَصَّلُ»، الطريحي، مجمع البحرين، المجلد 5 ، ص 350.

[66] أرنولد (توماس)، م، س، ص 65 وص 73 وص 124 و ص 236 و ص 237.

[67] راجع تدبّرنا في سورة التوبة.

التعليقات متوقفه